381
الصّحیح من مقتل سیّد الشّهداء و أصحابه علیهم السّلام

وقفة عند روايات طلب مسلم الاستقالة من سفارة الإمام‏

تفيد الروايات السابقة بأنّ مسلماً عليه السلام قدم من مكّة إلى المدينة متوجّهاً إلى الكوفة ، واصطحب معه دليلين منطلقاً نحوها ، ولكنّهما ضلّا الطريق وهلكا بسبب العطش . وبعد مشقّة كبيرة حصل مسلم ومرافقوه الآخرون - بمشورة الدليلين أو بدونها - على الماء ونجوا من الموت ، ولكنّه تطيّر من هذه الحادثة ؛ ولذلك كتب رسالة إلى الإمام الحسين عليه السلام وطلب منه أن يعفيه من أداء هذه المهمّة ، ولكنّ الإمام عليه السلام رفض استقالته في جوابٍ بعثه إليه ، واتّهمه بالخوف من القيام بهذه المهمّة ، وأكّد عليه أن يواصل طريقه .
لكنّ هذه الروايات محلّ تأمّل للأسباب التالية :
1 . لا يمتلك أيّ منها سنداً معتبراً يمكن الاعتماد عليه .
2 . تفيد المستندات التاريخية بأنّ مسلماً اجتاز المسافة من مكّة إلى الكوفة خلال عشرين يوماً ؛ ذلك لأنّه خرج من مكّة في 15 رمضان ووصل إلى الكوفة في الخامس من شوال ۱ ، وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أنّ المسافة من مكّة إلى الكوفة تبلغ حوالي 1400 كيلومتراً ، فإنّ من المفترض أن يكون قد قطع كلّ يوم ما معدّله سبعون كيلومتراً ، بغضّ النظر عن تأخّره في المدينة . فإن كان قد بعث رسولاً بعد المدينة إلى مكّة كي يستوضحه فيما يجب أن يفعله ، وأضفنا المدّة التي كان بحاجة إليها للعثور على الرسول ، والانطلاق ، واستلام الجواب من الإمام ، والعودة ، والمدّة المتبقّية في المدينة ، والفترة التي كانت تلزمه للاستراحة ؛ فإنّ المدّة التي استغرقها السفر من المفترض أن تتجاوز الشهر على الأقلّ .
3 . من المستبعد أن يهلك الدليلان عطشاً مع اعتيادهما على مشقّات الطريق في حين بقي مسلم ومرافقوه على قيد الحياة!
4 . ذمّت الثقافة الإسلامية التطيّر ، ۲ ولذلك يبدو من المستبعد أن تطلب شخصية مرموقة مثل مسلم الذي اختاره الإمام الحسين عليه السلام سفيراً له في أداء مهمّة خطيرة، الإعفاء من المهمّة بحجّة التطيّر .
5 . لم يرد في نقل ابن كثير التعبير بالاستقالة والاعتزال ، وإنّما ورد فيه أنّ مسلماً استشار الإمام واستأمره فيما يجب أن يفعله . ۳
6 . من المستبعد أن يتّهم الإمام الحسين عليه السلام شخصية كبيرة مثل مسلم بالخوف والتواني في أداء الواجب .
و استناداً إلى هذه الأدلّة والقرائن يمكن القول : إنّ موضوع استقالة مسلم من سفارة الإمام ، والقصص المتعلّقة به ، يعدّ محطّاً لشكوك أكيدة ، ويبدو أنّ هذه الإشاعات والتحريفات قد اُثيرت من قبل أنصار بني اُميّة بهدف تحريف تاريخ عاشوراء ، أو من القصّاصين الّذين خلطوا الكثير من الحقائق التاريخية مع القصص المنتحلة .

1.راجع : ص ۳۸۳ (قدوم مسلم الكوفة وبيعة أهلها له) .

2.راجع : ميزان الحكمة : عنوان «الطيرة» .

3.راجع : ص ۳۷۹ ح ۲۶۶ .


الصّحیح من مقتل سیّد الشّهداء و أصحابه علیهم السّلام
380
  • نام منبع :
    الصّحیح من مقتل سیّد الشّهداء و أصحابه علیهم السّلام
عدد المشاهدين : 156488
الصفحه من 850
طباعه  ارسل الي