275
موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) في الكتاب و السُّنَّة و التّاريخ ج4

أقول : وسأل السيّد مهنّا بن سنان العلّامة الحلّي عن مثل ذلك في أمير المؤمنين عليه السلام فأجاب بأنّه يحتمل أن يكون عليه السلام اُخبر بوقوع القتل في تلك الليلة ، ولم يعلم في أي وقت من تلك الليلة أو أي مكان يقتل ، وأنّ تكليفه عليه السلام مغاير لتكليفنا ، فجاز أن يكون بذل مهجته الشريفة في ذات اللّه تعالى ، كما يجب على المجاهد الثبات ، وإن كان ثباته يفضي إلى القتل ۱ .

جواب العلّامة الطباطبائي :

قال العلّامة الطباطبائي في هذا المجال :
الإمام عليه السلام واقف بإذن اللّه على حقائق عالم الوجود كيفما كانت ؛ سواء كانت محسوسة أم خارج دائرة الحسّ كالموجودات السماويّة والحوادث الماضية ووقائع المستقبل . والدليل على هذا القول هو :
جاء في الروايات المتواترة المنقولة في الجوامع الحديثيّة الشيعيّة ككتاب الكافي ، والبصائر ، وكتب الصدوق ، وكتاب بحار الأنوار وغيرها مما لايحصى ولا يُعدّ من الروايات بأنَّ الإمام عليه السلام واقف بكلّ شيء لا عن طريق العلم الاكتسابي وإنّما بطريق الموهبة الإلهيّة ، وبإمكانه أن يعلم كلّ شيء بإذن اللّه من خلال أدنى توجّه .
النكتة التي ينبغي الالتفات إليها في هذا المجال هي أنّ هذا العلم اللدني الذي تثبته الأدلة العقليّة والنقليّة ، لا تخلّف فيه ولا تغيير ، ولا خطأ ، ويُسمّى بعلم ما هو مكتوب في اللوح المحفوظ ، والعلم بما له صلة بالقضايا الإلهيّة الحتميّة .
وهذا المطلب يستلزم عدم وجود أيّ تكليف بمتعلّق هذا العلم من حيث كونه حتمي الوقوع ولا يرتبط به قصد وطلب من الإنسان ؛ وذلك أنّ التكليف يأتي عادة

1.بحار الأنوار : ج۴۲ ص۲۵۷ .


موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) في الكتاب و السُّنَّة و التّاريخ ج4
274

كلّ ما يكون فلسنا نطلقه ولا نصوّب قائله لدعواه فيه من غير حجّة ولا بيان .
والقول بأنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان يعلم قاتله والوقت الذي يُقتل فيه فقد جاء الخبر متظاهرا أنّه كان يعلم في الجملة أنّه مقتول ، وجاء أيضا بأنّه يعلم قاتله على التفصيل . فأما علمه بوقت قتله فلم يأتِ عليه أثر على التحصيل . ولو جاء به أثر لم يلزم فيه ما يظنه المعترضون ، إذ كان لا يمتنع أن يتعبّده اللّه تعالى بالصبر على الشهادة والاستسلام للقتل ، ليبلغه بذلك علوّ الدرجات ما لا يبلغه إلّا به . ولعلمه بأنّه يطيعه فيذلك طاعة لو كلّفها سواه لم يردها . ولا يكون بذلك أميرالمؤمنين عليه السلام ملقياً بيده إلى التهلكة ، ولا معيناً على نفسه معونة تستقبح في العقول .
وأما علم الحسين عليه السلام بأنّ أهل الكوفة خاذلوه ، فلسنا نقطع على ذلك ، إذ لا حجّة عليه من عقل ولا سمع ، ولو كان عالماً بذلك لكان الجواب عنه ما قدّمناه في الجواب عن علم أمير المؤمنين عليه السلام بوقت قتله ومعرفة قاتله كما ذكرناه .
وأما دعواه علينا أنّا نقول : إنّ الحسين عليه السلام كان عالماً بموضع الماء قادراً عليه ، فلسنا نقول ذلك ، ولا جاء به خبر ، على أنّ طلب الماء والاجتهاد فيه يقضي بخلاف ذلك ، ولو ثبت أنّه كان عالماً بموضع الماء لم يمتنع في العقول أن يكون متعبداً بترك السعي في طلب الماء من حيث كان ممنوعاً منه حسب ما ذكرناه في أمير المؤمنين عليه السلام ، غير أنّ ظاهر الحال بخلاف ذلك على ما قدّمناه .
والكلام في علم الحسن عليه السلام بعاقبة موادعته معاوية بخلاف ماتقدّم ، وقد جاء الخبر بعلمه بذلك ، وكان شاهد الحال له يقضي به ، غير أنّه دفع به عن تعجيل قتله وتسليم أصحابه له إلى معاوية ، وكان في ذلك لطف في بقائه إلى حال مضيّه ولطف لبقاء كثير من شيعته وأهله وولده ، ودفع فساد في الدين هو أعظم من الفساد الذي حصل عند هدنته ، وكان عليه السلام أعلم بما صنع لما ذكرناه وبيّنا الوجوه فيه . انتهى كلامه .

  • نام منبع :
    موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) في الكتاب و السُّنَّة و التّاريخ ج4
    المساعدون :
    الطباطبائي، السيد محمد كاظم؛ الطباطبائي نجاد، السيد محمود
    المجلدات :
    7
    الناشر :
    دارالحدیث للطباعة و النشر
    مکان النشر :
    قم المقدسة
    تاریخ النشر :
    1427 ق / 1385 ش
    الطبعة :
    الثانية
عدد المشاهدين : 68320
الصفحه من 684
طباعه  ارسل الي