15
شرح دعاء أبي حمزة الثمالي

شرح دعاء أبي حمزة الثمالي
14

آخر المطاف

قال أبو حمزة : «قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام : جُعلت فداك، قد كبر سنّي ودقّ عظمي واقترب أجلي ، وقد خفت أن يدركني قبل هذا الأمر الموت . قال : فقال لي : يا أبا حمزة، أو ما ترى الشهيد إلّا من قتل؟ قلت : نعم جُعلت فداك، فقال لي : يا أبا حمزة، مَنْ آمن بنا وصدّق حديثنا ، وانتظر أمرنا ، كان كمن قُتل تحت راية القائم ، بل واللّه تحت راية رسول اللّه صلى الله عليه و آله ». ۱
ذلك هو أبو حمزة، عاش حياته انتظارا لبزوغ فجر العدل وظهور دولة آل محمّد صلى الله عليه و آله ، ولم يخشَ إلّا تبدّد أمله وعدم إدراكه لبسط سلطانهم وإعلاء كلمتهم. أمّا الموت ودنوّ أجله فلم يخشه، وقد تأهّب له بصالح العمل وخالص الولاء.
وهل ترك الإمام عليه السلام أبا حمزة وخوفه؟ كلّا! بل حباه بالبشارة وأطلعه على حقيقة أنّ من آمن بهم وصدّق حديثهم وانتظر أمرهم كان كشهداء بدر وأُحُد، أو كشهيدٍ تحت راية القائم عليه السلام .
وقد كان أبو حمزة من طليعة المؤمنين بهم عليهم السلام ومصدّقي حديثهم ، وقد شهد الأئمّة له بذلك، وأثنوا عليه ومدحوه بكلماتهم في كلّ مناسبة سنحت لهم.
ولم يأت قوله : «قد خفت أن يدركني قبل هذا الأمر الموت» إلّا اعتقادا وتصديقا منه لما قد حدّثوه هم عليهم السلام من قبل بظهور أمرهم.
ومع اقتراب أجله وإحساسه به، أرسل إليه الإمام الصادق عليه السلام من يوصيه بوصاياه وينبئه باليوم والساعة التي سيرحل بها إلى بارئه.
قال أبو بصير : «دخلت على أبي عبد اللّه عليه السلام فقال : ما فعل أبو حمزة الثمالي؟ قلت : خلّفته عليلاً ، قال : إذا رجعت إليه فاقرأه منّي السلام واعلمه أنّه يموت في شهر كذا في يوم كذا.
قال أبو بصير : جُعلت فداك، واللّه لقد كان فيه أُنس وكان لكم شيعة ، قال : صدقت، ما عندنا خير لكم من شيعتكم معكم ، قال : إن هو خاف اللّه وراقب نبيّه وتوقّى الذنوب ، فإذا هو فعل كان معنا في درجاتنا. قال علي : فرجعنا تلك السنة فما لبث أبو حمزة إلّا يسيرا حتّى توفّي». ۲
فالإمام الصادق عليه السلام وإن صدّق أبا بصير في اعتقاده بتشيّع أبي حمزة وما وصل إليه في دنياه من قربهم ، لكنّه أوصاه ألّا يتّكل على ذلك ، بل يمضي بالتزام إرشاداتهم ووصاياهم من خوف اللّه عزّ وجلّ وتوقّي الذنوب، ما بقي من عمره وحتّى آخر يوم وآخر ساعة من حياته؛ لأنّ الآخرة لا تُرجى إلّا بالعمل والأُمور بعواقبها، ولكلّ امرءٍ عاقبة.
ولم يوصِ الصادق عليه السلام أبا حمزة إلّا ما أوصى آباؤه شيعتهم، ولم يقل إلّا ما قالوه لهم.
فعن أبيه الباقر عليه السلام قال : «لا تذهب بكم المذاهب، فوَاللّه ما شيعتنا إلّا من أطاع اللّه عزّ وجلّ».
التقوى! تلك هي في الدنيا وصيّتهم وشرطهم للانتماء إليهم، وبها في الآخرة بشارتهم واللحوق بهم في منازلهم.
على أنّ الأئمّة عليهم السلام علموا ما يؤول إليه أمر كلّ أحد من شيعتهم ، فما تركوا أبا حمزة ومصيره ، بل أحاطوه علما بنجاته وفوزه في آخرته، وبشّروه بحضور جدّهم النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله وأمير المؤمنين عليه السلام عند كلّ أحد من شيعتهم ساعة نزعه واحتضاره؛ لتأمين روعته والأخذ بيده.
قال أبو حمزة : «قلت لأبي جعفر عليه السلام : ما يُصنع بأحدٍ عند الموت؟ قال : أما واللّه يا أبا حمزة، ما بين أحدكم وبين أن يرى مكانه من اللّه ومكانه منّا يقرّ به عينه، إلّا أن يبلغ نفسه ها هنا ـ ثمّ أهوى بيده إلى نحره ـ ألا أُبشّرك يا أبا حمزة؟ فقلت : بلى جُعلت فداك ، فقال : إذا كان ذلك أتاه رسول اللّه صلى الله عليه و آله وعليّ عليه السلام معه ، قعد عند رأسه فقال له رسول اللّه صلى الله عليه و آله : أما تعرفني؟ أنا رسول اللّه ، هلمَّ إلينا، فما أمامك خيرٌ لك ممّا خلّفت، أمّا ما كنت تخاف فقد أمنته ، وأمّا ما كنت ترجو فقد هجمت عليه. أيّتها الروح اُخرجي إلى روح اللّه ورضوانه ، ويقول له عليّ عليه السلام مثل قول رسول اللّه صلى الله عليه و آله .
ثمّ قال : يا أبا حمزة، ألا أُخبرك بذلك من كتاب اللّه ؟ قوله : «الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ كَانُواْ يَتَّقُونَ » ». ۳
فهنيئا لك يا أبا حمزة هذه الخاتمة والمنزلة، ورحمك اللّه أيّها العبد الصالح، وسلام عليك يوم ولدت ويوم متّ ويوم تُبعث حيّا.

1.تأويل الآيات الظاهرة: ج ۲ ص ۶۶۵ ح ۲۱ .

2.اختيار معرفة الرجال: ج ۲ ص ۴۵۸.

3.تفسير العيّاشي: ج ۲ ص ۱۲۶.

  • نام منبع :
    شرح دعاء أبي حمزة الثمالي
    سایر پدیدآورندگان :
    هوشمند، مهدي
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    سازمان چاپ و نشر دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 134788
صفحه از 464
پرینت  ارسال به