مدارک فقه اهل السنّة علي نهج وسائل الشّيعة
صفحه 7
المقدمة
الحمدلله ربّ العالمين وصلّی الله علی عبده المصطفی محمّد وآله الطيبين، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، سيما الإمام المهدي الذي يملأ الله به الأرض قسطاً وعدلاً، بعدما ملئت ظلماً وجوراً.
قال الإمام الصادق علیه السلام: «أنتم أفقه النّاس ما عرفتم معاني كلامنا».۱
يهدف علم الفقه إلی معرفة قوانين الإسلام المتضمّنة للأحكام الإلهية المستنبطة من الكتاب والسنّة بشكل صحيح ودقيق. ولا يمكن ذلك إلّا من خلال الإيمان بالمرجعية العلمية لأهل البيت علیهم السلام؛ لأنّ حديث الثقلين المتواتر قد جعل فيه رسول الله صلی الله علیه و آله أهل بيته عدلاً للقرآن وقرنهم بكتابه المجيد، بحيث لاينفكّ أحدهما عن الآخر بشكل صريح لا يقبل الريب والترديد، فقال:
إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي.۲
و هذا النصّ صريح في بيان مرجعية أهل البيت علیهم السلام العلمية وعصمتهم من الخطأ العلمي؛ لأنّ الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله قد ذکرهم إلی جنب الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لا يتخلّفون عن الكتاب المجيد ولا يفترق عنهم، فإنّ من يتسرّب الخطأ إليه لا يعدّ عدلاً للكتاب ولا مقترناً به.
و من هنا يفهم أنّه لا يمكن الوصول إلی الأحكام الإلهية الموجودة في الكتاب والسنّة بشكل صحيح إلّا بالتمسّك بأهل البيت علیهم السلام الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم من
1.بصائر الدرجات ص۳۹۴، معاني الاخبار: ۱ وفيه «اذاعرفتم...».
2.راجع: موسوعة معارف الكتاب والسنّة، ج ۶، «خصائص أهل البيت علیهم السلام» ص ۱۳۴ - ۱۷۴.
مدارک فقه اهل السنّة علي نهج وسائل الشّيعة
صفحه 8
كلّ ضلال وانحراف في العلم والعمل، ولهذا قال الإمام الصادق علیه السلام: «أنتم أفقه النّاس ما عرفتم معاني كلامنا».
و حيث اتّضح أنّ الفقه يتوقّف علی معرفة معاني كلام أهل البيت علیهم السلام يأتي السؤال عن المنهج والطريقة الصحيحة لمعرفة معاني كلامهم علیهم السلام؟
لا شكّ ولاريب أنّ هناك عوامل عديدة تمهّد لفهم معاني كلامهم بشكل صحيح، والكتاب الذي بين يديك يتكفّل ببيان أحد أهمّ تلك العناصر التي تساهم في الوصول للفهم الصحيح لمعاني كلامهم علیهم السلام، وهو ما يعبّر عنه بظرف الصّدور للحديث الفقهي منهم وبيئته وفضاء صدوره، فإنّ إحدی المبادئ المهمّة لمعرفة ما يقصده المتكلّم ويريده من كلامه لتفسيره بالشكل الصحيح، هو معرفة البيئة الجغرافية للكلام الصادر من المتكلّم وما يحيط بالكلام من قرائن وحيثيّات.
و على هذا كما ينبغي الاهتمام بشأن النزول لتفسير آيات القرآن الكريم كذلك ينبغي معرفة أسباب ورود الأحاديث وفضاء صدورها كي يتسنّى لنا معرفة معاني كلماتهم وأحاديثهم من خلال الإحاطة بالظروف الجغرافية والثقافية التي صدرت فيها احاديثهم صلوات الله عليهم أجمعين.
و حيث عرفنا هذا الأصل العلمي الذي يقوم على أساسه «فقه الحديث» وأردنا تطبيقه على أحاديث أهل البيت علیهم السلام وعرفنا الظروف التأريخية التي أحاطت بهم بعد رحيل الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله.
و أهمّها انبثاق الفکر الحاکم وما رافقه من ظروف استدعت الاهتمام بالساحة السياسية والثقافية والاجتماعية والدينية فكان علماء البلاط يراعون آراء حكّامهم، فما كان يصدر من أهل البيت صلی الله علیه و آله كان ناظراً إلى ما يطرح في الساحة العامة من آراء ونظريّات من قبل علماء البلاط ومن يحذو حذوهم.
و ممّا ترتّب على ذلك أنّ الوضع السياسي آنذاك كان يتطلّب الدعم الفكري والديني من المحدّثين والعلماء الذين يتماشون مع السلطة القائمة، ويعترفون بشرعيّتها، ويلتزمون باتّجاهاتها ومسارها السياسي والديني المذهبي.
و في مثل هذا الجو عاش الأئمّة الأطهار _ صلوات الله عليهم _ فما كان يصدر منهم من أحاديث كان ناظراً إلى ما يحيط بهم من ظروف سياسية واجتماعية وثقافية ودينية.