وفي قتل عمرو بن عبد ودّ يقول حسّان رضى الله عنه :
أمسى الفتى عمرو بن ودّ يبتغي۱بجنوب يثرب غارةً لم تُنظر۲
ولقد وجدتَ سيوفنا مشهورةً ولقد وجدتَ جيادنا۳لم تُقصر
ولقد رأيتَ غداةَ بدرٍ عُصبةً ضربوك ضربا ليس ضرب المحسر۴
أصبحتَ لا تُدعى ليوم عظيمةٍ يا عمرو أو لجسيم أمرٍ منكر۵
وقالت اُخت ۶ عمرو وقد نعي إليها أخوها عمرو : من [ ذا الّذي ] اجترأ عليه [ فقتله ] ؟ فقالوا : عليّ بن أبي طالب ، فقالت : كفؤٌ كريم ، وأنشدت تقول :
أسدان في ضيق المَكرّ۷تصاولا وكلاهما كفوٌ كريم باسل
فتخالسا مُهجَ النفوس كلاهما وسط المجال مجالد ومقاتل
وكلاهما حضر القراع حفيظةً لم يثنِهِ عن ذاك شُغلٌ شاغل
فاذهب عليٌّ فما ظفرتَ۸بمثله قولٌ سديدٌ ليس فيه تحامل۹
ثمّ قالت : واللّه لا ثأرت قريش بأخي ما حنّت النوق ۱۰ . وقالت اُمّ عمرو ترثيه :
لو كان قاتل عمرو غير قاتله ما زلت أبكي عليه دائم الأبد۱۱
لكن قاتله ما۱۲لا يُعاب۱۳به مَن۱۴كان يُدعى أبوه بيضة البلد
من هاشم في ذراها وهي صاعدة إلى السماء تميت الناس بالحسد
قومٌ أبى اللّه إلاّ أن تكون لهم مكارم الدين والدنيا إلى۱۵الأبد
يا اُمّ كلثوم أبكيه ولا تدعي بكاء معولة حرى على ولد
۱۶
1.في (أ) : يرى .
2.في (أ) : يُنظر .
3.في (أ) : رماحنا .
4.في (أ) : المخصر ، وفي (ج) : المخبر ، وفي (د) : المخسر .
5.انظر سيرة ابن هشام : ۳ / ۲۸۱ ، شرح النهج لابن أبي الحديد : ۱۳ / ۲۹۰ ، بحار الأنوار : ۲۰ / ۲۵۹ ، الارشاد للشيخ المفيد : ۱ / ۱۰۶ . وفي (أ) : ياعمرو كلاّ والإله الأكبر .
6.وهي اُخته عمرة وكنيتها اُم كلثوم كما ذكر صاحب أعيان الشيعة : ۱ / ۳۹۸ .
7.في (أ) : الكر . وفي البيت الثاني هكذا :
فتخا لسامج النفوس كلاهما وسط المذادمجالدومخاتل
وفي (ج) : مجاله (بدل) مجالد .
8.في (ج ، ب) : بما ظفرته .
9.انظر الفصول المختارة : ۲۳۷ ، وباختلاف يسير في الارشاد : ۱ / ۱۰۸ ، بحار الأنوار : ۲۰ / ۲۶۰ . وروى أحمد بن عبدالعزيز قال : حدّثنا سليمان بن أيوب عن أبي الحسن المدائني قال : لمّا قَتَل علي بن أبي طالب عمرو بن عبدودّ نُعي إلى اُخته فقالت : من ذا الّذي اجترأ عليه ؟ فقالوا : ابن أبي طالب ، فقالت : لم يَعدُ يومه على يد كُف ء كريم ، لا رقأت دمَعتي إن هرقْتُها عليه ، قَتل الأبطال وبارز الأقران وكانت منيّته على يد كف ء كريم قومه ، وما سمعت أفخر من هذا يا بني عامر . (انظر الارشاد للشيخ المفيد :۱ / ۱۰۷) .
10.انظر المصادر السابقة ولكن بلفظ يا أخي بدل بأخي والنيب بدل النوق كما جاء أيضا في (ب) . وهذه الرواية مشهورة لكن بين ألفاظها اختلاف نقله المفيد في الارشاد : ۵۷ والمرتضى في الفصول : ۲۳۷ وابن شهرآشوب في المناقب : ۱ / ۱۹۹ ، والاربلي في كشف الغمّة : ۱ / ۶۸ ، وغيرهم .
11.في (ب) : بكيت أبدا ما عشت في الأبد .
12.في (د) : مما .
13.في (أ) : يُراب ، وكذلك زاد : من لا نظير له .
14.في (ج) : قد .
15.في (ب ، د) : في .
16.نسبت هذه الأبيات إلى عمرة اُخت عمرو بن عبدودّ العامري تارةً كما ذكرت المصادر السابقة بالإضافة إلى المستدرك على الصحيحين : ۳ / ۳۳ ، والارشاد للشيخ المفيد : ۱ / ۱۰۶ ، ولسان العرب لابن منظور : ۷ / ۱۲۷ ، والفصول المختارة : ۲۳۷ ، والبحار : ۲۰ / ۲۶۰ . وتارةً اُخرى نسبت إلى اُمّ عمرو كما ذكر المصنّف هنا ، ولسنا بصدد تحقيق هذا المطلب ، فمن شاء فليراجع المصادر السابقة واللاحقة هنا . لكلّ جواد كبوة :
حديثنا هنا عن عالم حقيقي عرفناه من خلال كتابه هذا ووصفناه بالنزاهة والموضوعية وكما قال الديلمي في الفردوس : العالم سلطان اللّه في الأرض فمن وقع فيه فقد هلك . ونحن لا ندري لماذا اغفل ابن الصبّاغ المالكي حديث فيمن هو قرين المعجزة وعديلها ، وأسدُ اللّه الّذي شتّت جنود الكفر ، وسيفه الّذي ضربة منه تعدل أعمال الاُمّة إلى يوم القيامة كما ورد في كثير من المصادر التاريخية والحديثية ، وكمثال على ذلك ما أورده الحاكم في المستدرك : ۳ / ۳۲ مسندا عن سفيان الثوري أنه قال صلى الله عليه و آله : لمبارزة عليّ بن أبي طالب لعمرو بن عبد ودّ يوم الخندق أفضل من أعمال اُمّتي إلى يوم القيامة . نقول : ربما منع ابن الصبّاغ من نقل أو ذكر هذا الحديث وغيره ـ الّذي ورد بهذا المعنى مع الاختلاف اليسير في اللفظ ولم يشر إليه ولو بإشارة بالرغم من ذلك أنه ذكر كلّ واقعة الخندق بتفاصيلها ـ هو قرب الناس من عهدٍ تفشّت فيه الفتنة كما أشرنا سابقا ، وعدم تمكين الايمان من نفوسهم ، ولعلّ هذا هو الظرف الّذي منعه من مآل الفعل المشروع . فالمجدّد المجتهد يعرف المجتمع الّذي يعيش فيه وما يسيطر عليه من اتجاهات مذهبية عديدة كما أشار إليها في مقدمة كتابه هذا واتهامه بالرفض . وإلاّ كيف يغفل ـ وهو النبيه ـ عن شجاعة الإمام عليّ عليه السلام الّتي أنسى الناس فيها ذكر من كان قبله ، ومحا اسم من يأتي بعده ، ومقاماته في الحروب مشهورة ، ويضرب بها الأمثال إلى يوم القيامة ، وهو الشجاع الّذي ما فرّ قطّ ولا ارتاع من كتيبة ولا بارز أحدا إلاّ قتله . كما ذكر ابن أبي الحديد في شرح النهج : ۱ / ۲۰ . فقد روى المؤرّخون في مبارزة عليّ عليه السلام يوم الخندق وأنها أفضل من أعمال الاُمّة إلى يوم القيامة بألفاظ مختلفة تؤدّي إلى نفس المعنى فقد روى صاحب المستدرك عن سفيان الثوري أنه صلى الله عليه و آله قال ذلك لعلي عليه السلام يوم الخندق . ورواه الخطيب البغدادي في تاريخه : ۱۳ / ۱۹ عن إسحاق بن بشر القرشي . وذكره الفخر الرازي في تفسيره الكبير : ۳۲ / ۳۱ وفي ذيل تفسير سورة القدر ورد بلفظ : لمبارزة عليّ عليه السلام مع عمرو بن عبد ودّ أفضل من عمل اُمّتي إلى يوم القيامة . وذكر ابن أبي الحديد في شرح النهج أيضا : ۱۹ / ۶۱ أنه صلى الله عليه و آله قال حين برز عليّ عليه السلام لعمرو بن عبدودّ : برز الايمان كلّه إلى الشرك كلّه . وقال الإيجي في شرح المواقف : ۶۱۷ قوله صلى الله عليه و آله : لضربة عليّ يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين . وفي السيرة الحلبية بهامش السيرة النبوية : ۲ / ۳۲۰ قال صلى الله عليه و آله : قتل عليّ لعمرو بن عبدودّ أفضل من عبادة الثقلين . وقال الفخر الرازي في نهاية العقول في دراية الاُصول : ۱۱۴ انه صلى الله عليه و آله قال : لضربة عليّ يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين . وذكر مثله بحار الأنوار في : ۲۰ / ۲۱۶ و۲۵۸ . ومثله تاريخ دمشق ترجمة الإمام عليّ عليه السلام : ۱ / ۱۵۵ ، وفرائد السمطين : ۱ / ۲۵۵ ح ۱۹۷ ، وهامش تاريخ دمشق : ۱۵۵ ، وشواهد التنزيل : ۲ / ۱۴ ح ۶۳۶ ، والمناقب للخوارزمي : ۱۶۹ ح ۲۰۲ وص ۵۸ الفصل ۹ ، وابن شهرآشوب في مناقب آل أبي طالب : ۲ / ۳۲۶ ط الغري ، وكشف الغمّة للإربلي : ۱ / ۲۵۵ ، وفى السيرة أيضا : ۱ / ۳۴۹ ، وفي كتاب المواقف : ۳ / ۲۷۶ ، وهداية المرتاب : ۱۴۸ ، وكنز العمّال : ۶ / ۱۵۸ الطبعة الاُولى ، والغدير : ۷ / ۲۰۶ ط بيروت ، وشرح المختار قال ابن أبي الحديد في (۲۳۰) فى باب قصار كلام أمير المؤمنين من نهج البلاغة : ۵ / ۵۱۳ بإضافة : . . . تعدل أعمال المهاجرين والأنصار وطاعاتهم كلّها وتربى عليها ، وفي الدرّ المنثور : ۵ / ۱۹۲ ، وكذلك البحار : ۳۹ / ۱ . وها هو عليه السلام يقول:... نشدتكم اللّه ، أفيكم أحدٌ يوم عبر عمرو بن عبدودّ الخندق وكاع عنه جميع الناس فقتله غيري؟قالوا: اللّهمّ لا. (انظر تاريخ بغداد: ۱۳/۱۹،مقتل الحسين للخوارزمي:۴۵،تلخيص المستدرك: ۳ / ۳۲) . ويوم الخندق لمّا سكت كلّ منهم ولم يجب طلب عمرو بن عبدودّ العامري . وكادت تكون هزيمة نكراء لو لم ينهض بها عليّ بن أبي طالب ، وبهذا قال صلى الله عليه و آله : برز الايمان كلّه إلى الشرك كلّه . وبهذا وذاك تذهب أدراج الرياح إيرادات وإشكالات وتبريرات ابن تيمية حين قال كما ورد في السيرة الحلبية ومعها هامش السيرة النبوية : ۲ / ۳۲۰ : إنها أي ضربة علىّ يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين ـ من الأحاديث الموضوعة الّتي لم ترد في شيء من الكتب الّتي يعتمد عليها ولا بسند ضعيف ، وكيف يكون قتل كافر أفضل من عبادة الثقلين الإنس والجنّ ومنهم الأنبياء ؟ ! ثمّ قال : بل إنّ عمرو بن عبدودّ هذا لم يعرف له ذكر إلاّ في هذه الغزوة . والجواب نحن لسنا بصدد هذا الكلام ومناقشته بل نورد ما قاله العلاّمة برهان الدين الحلبي الشافعي في نفس كتابه السيرة الحلبية وفي نفس الجزء والصفحة : إنّ عمرو بن عبدودّ هذا لم يعرف له ذكر إلاّ في هذه الغزوة ، قول ليس له أصل ، وكان عمرو بن عبدودّ قد قاتل يوم بدر حتّى أثبتته الجراحة فلم يشهد يوم اُحد ، فلمّا كان يوم الخندق خرج معلّما . . . . وأ نّه نذر لا يمسّ رأسه دهنا حتّى يقتل محمّد صلى الله عليه و آله . . . وقوله «كيف يكون قتل كافر أفضل من عبادة الثقلين» فيه نظر لأنّ قتل هذا كان فيه نصرة للدين وخذلان الكافرين . . . وقال الشيخ المظفر في دلائل الصدق : ۲ / ۴۰۲ : لمبارزة عليّ لعمرو أفضل من . . . فكان هو السبب في بقاء الايمان واستمراره وهو السبب في تمكين المؤمنين من عبادتهم إلى يوم الدين ، لكن هذا ببركة النبيّ الحميد ودعوته وجهاده في الدين . . . وانظر أيضا المعيار والموازنة : ۹۱ .