قال «حم لا ينصرون» وكان ذلك من شعار أصحاب عليّ عليه السلام ،وكان عليّ عليه السلام قد أذن في أصحابه بأن لا يقتل محمّد بن طلحة مَنْ عسى أن يظفر به ولا يتعرّضه أحد بسوء ، فحمل عليه شريح بن أوفى العبسي فقال : «حم» وقد سبقه شريح بالطعنة فأتى على نفسه فكان كما قيل : سبق السيف العذل ، وكان محمّد بن طلحة هذا من العبّاد والزهّاد ۱ واعتزل الناس على جانب وإنّما خرج برّا بأبيه ، وكان يعرف
بالسجّاد لكثرة صلاته وسجوده ، وفي ذلك يقول قاتله شريح بن أوفى العبسي ۲ :
وأشعث قوّام بآيات۳ربّه قليل الأذى فيما ترى العينُ مُسلم
هتكتُ۴بصدر الرمح جيب قميصه فخرَّ صريعا لليدين وللفم
على غير شيء غير أن ليس تابعا عليا ومن لا يتبع الحقّ يندم
يُذكِّرني حم والرمح شاجر فهلاّ تلا حم قبل التقدّم
وأخذ بخطام الجمل عمرو بن الأشرف ۵ فجعل لايدنو منه أحد إلاّ خبطه ، فأقبل إليه الحارث بن زهير الأسدي ۶ وهو يقول :
يا اُمّنا يا خير اُمّ نعلمُ۷أما ترين كم شجاع يكلّمُ۸
وتُجتلى هامتُه والمِعصمُ
وحمل كلّ واحد منهما على صاحبه فاختلفا بضربتين فوقعت ضربة [كلّ] واحد منهما على الآخر فقتلته ، وأحدقت أهل النجدات والشجاعة بالجمل فكان لا يأخذ أحد بخطام الجمل إلاّ قُتل ، وكان لا يأخذه إلاّ من يُنسب ويقول أنا فلان بن فلان
الفلاني ، فواللّه إن كان إلاّ الموت الأحمر وما أخذه أحد ، ثمّ أفلت منه فعاد إليه ۹ .
وجاء عبداللّه بن الزبير ۱۰ وأخذ بخطام الجمل وهو ساكت لم يتكلّم [فقالت له
1.انظر المصادر السابقة .
2.قال الطبري في تاريخه : ۳ / ۵۳۳ : واجتمع عليه نفر كلّهم ادّعى قتله : المكعْبر الأسدي ، والمكعْبر الضبي ، ومعاوية بن شدّاد العبسي ، وعفان بن الأشقر النصري ، فأنفذه بعضهم بالرمح ففي ذلك يقول قائله منهم : وأشعث . . . .
3.وفي (أ) : بآت .
4.في (أ) : شككتُ .
5.انظر تاريخ الطبري : ۳ / ۵۳۳ ، وابن الأثير : ۳ / ۹۸ ولم يذكر نسب عمرو بن الأشرف بل ذكره ابن دريد في الاشتقاق: ۴۸۳ والجمهرة: ۳۵۰ وكان أزديا من عتيك. وجاء في نسخة (ج) عمرو.
6.انظر المصادر السابقة والحارث هذا أيضا أزديا في جيش عليّ عليه السلام ، فهما اذن ولدا عمٍّ يقتل أحدهما الآخر .
7.في (ب ، د) :تعمل .
8.في (أ) : مكلّم ، وفي (د) : تكلم .
9.انظر المصادر السابقة . وتاريخ الطبري : ۳ / ۵۲۹ .
10.لسنا بصدد بيان حال عبداللّه بن الزبير وترجمته الّتي وردت في اُسد الغابة ، ونسب قريش : ۲۳۷ ، والاستيعاب : تحت رقم ۱۵۱۸ ، وشرح النهج لابن أبي الحديد : ۴ / ۴۸۲ ، وغيرهم كثير ، ولكن نذكّر القارئ الكريم أن اُمّ المؤمنين كانت فذّة في عاطفتها تجاه قرباها وخصّت من بينهم عبداللّه بن الزبير ـ ابن اُختها أسماء ـ فحلّ منها محلّ الولد الفرد من الوالدة الشفيقة وتكنّت باسمه كما ذكر أهل السِير ، ولم يكن أحدٌ أحبّ إليها يومذاك من ابن الزبير كما يذكر صاحب الأغاني في : ۹ / ۱۴۲ . وقال هشام بن عروة : ما سمعت تدعو لأحد من الخلق مثل دعائها له ، وأعطت للّذي بشّرها بسلامته من القتل عشرة آلاف درهم ، ثمّ سجدت شكرا للّه تعالى ، ولمّا اعتلّت دخل عليها بنو اُختها وفيهم عبداللّه فبكى . . . ثمّ قالت : ما أحقّني منك يا بُني . . . فما أعلم بعد رسول اللّه صلى الله عليه و آله وبعد أبويّ أحدا أنزل عندي منزلتك وأوصت له بحجرتها . (انظر تهذيب ابن عساكر : ۷ / ۴۰۰ ، وشرح النهج لابن أبي الحديد : ۴ / ۴۸۲) .
وعبداللّه بن الزبير هذا كان قد نشأ على كره بني هاشم حتّى استطاع أن يغيّر رأي أبيه الزبير على عليّ عليه السلام وهو ابن خال أبيه . قال عليّ عليه السلام : ما زال الزبير رجلاً منّا أهل البيت حتّى نشأ ابنه المشؤوم عبداللّه . (شرح النهج لابن أبي الحديد : ۳/۲۶۰، تهذيب ابن عساكر: ۷/۳۶۳ ، والاستيعاب: ۳۵۳ وشرح النهج لابن أبي الحديد : ۲/۱۶۷ ، و :۴/۴۸۰. وذكر الواقدي ، والمسعودي في مروجه بهامش ابن الأثير : ۵/۱۶۳ ، واليعقوبي في تاريخه : ۳ / ۷ ـ ۸ ، وشرح النهج لابن أبي الحديد : ۱ / ۳۸۵ و : ۴ / ۴۸۰ ـ ۴۹۰ أنه مكث أيّام خلافته أربعين جمعة لا يصلّي فيها على النبي ويقول : لا يمنعني ذكره إلاّ أن تشمخ رجال بآنافها . وفي رواية أ نّه قال : إنّ له اُهيل سوء ينغضون رؤوسهم عند ذكره . وقال المسعودي في : ۵ / ۱۶۳ ، وشرح النهج لابن أبي الحديد : ۱ / ۳۵۸ ، و: ۴/۴۹۵ ط الحلبي بمصر أنه قال لعبداللّه بن عبّاس : إنّي لأكتم بغضكم أهل هذا البيت منذ أربعين سنة .
وذكر المسعودي أيضا في : ۵ / ۱۶۳ واليعقوبي : ۳ / ۷ وشرح النهج لابن أبي الحديد : ۱ / ۳۵۸ أنه كان يبغض عليّ بن أبي طالب خاصّةً وينال من عرضه . وهو الّذي جمع سبعة عشر رجلاً من بني هاشم وحصرهم في شعب بمكّة يعرف بشعب عارم وأراد أن يحرقهم بالنار . (انظر المصادر السابقة ، وابن عساكر في تهذيبه : ۷ / ۴۰۸ ، والأغاني : ۹ / ۱۶ ط دار الكتب) .