مدلوله ، فلا بأس بنقل كلامه في ذلك كَسْراً لسَوْرَة الاستبعاد ، وإقناعاً للمتعنِّت المتعسِّف من أهل اللِّجاج والعناد .
قال : ليس من شأن مَن مات على الكفر أن يكون في ضَحْضاحٍ من النار ، بل شأنُه أن يكون في الدَّرْك الأسفل من النار ، فقبول الشفاعة فيه حتّى صار في ضَحْضاحٍ ؛ دليلٌ على عدم كفره ، إذ لا تُقبل في الكافر شفاعة الشافعين .
وقوله صلى الله عليه وآله : (لولا أنا لكان في الدَّرْك الأسفل من النار) معناه : لولا أنّ اللَّه هداه بي للإيمان لَماتَ كافراً وكان في الدَّرْك الأسفل من النار ، فهو نظير قوله صلى الله عليه وآله - في ولد اليهودي الذي زاره في مرضه وعرض عليه الإسلام فأسلم ومات - : (الحمد للَّه الذي أنقذه بي من النار) .
قال : وحينئذٍ ظهر لنا معنىً لطيفٌ في هذا الحديث ، وهو أنّ أبا طالبٍ كان مُشْرِفاً على دخول الغَمَرات حيث أبى أن يشهد ، ثمّ تشفَّعْتُ فيه فهداه اللَّه للإيمان ، ولا ينافي هذا قوله صلى الله عليه وآله : (أنا لم أسمع) لجواز أن يكون اللَّه أخبره بعد ذلك ۱ (اه ) .
وله كلامٌ آخر قَلَبَ فيه الاستدلال بحديث الضَّحضاح على المحتجّين به على عدم نجاة أبي طالبٍ رضي اللَّه تعالى عنه وأرضاه ، وجعله دالّاً على النَّجاة ، فقال : إنّ نفسَ الحديث يدلّ على نجاته ، وذلك لأنّ اللَّه تعالى قد أخبر عن الكفّار بأنّهم لا يُخفَّف عنهم من عذابها ، وبأنّهم لا يُفتَّرُ عنهم ، وبأنّهم ما هم منها بمُخْرَجين ، وبأنّهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين ، إلى غير ذلك ، وقد ثبت في الأثر الصحيح أنّ الجحيم هي الطبقة التي يُعذَّب فيها عُصاةُ المؤمنين ثمّ يخرجون منها ، وهي أعلى طبقات النار ، وعصاة المؤمنين عذابهم أخفُّ من عذاب الكفّار ، وحيث صحّ أنّ أبا طالبٍ أهونُ أهل النار عذاباً على الإطلاق ؛ فيكون أهون عذاباً حتّى من عُصاة المؤمنين ، ولو فُرض أنّه كافرٌ يُخلَّد في النار وهو أهون أهل النار عذاباً لكان عذابُ الكفر
1.بلوغ المآرب : ۲۰۲ - ۲۰۳ ، أسنى المطالب : ۳۷ - ۳۸