۰.أعانَ هواهُ على هَدْم عقلِه ، ومن هَدَمَ عقْلَه أفسَدَ عليه دينه ودنياه .
يا هشام ، كيف يزكو عند اللّه عملُكَ ، وأنت قد شغلتَ قلبَك عن أمر ربّك ، وأطعْتَ هواك على غلبة عقلك؟!
يا هشام ، الصبرُ على الوحدةِ علامة قوّةِ العقلِ ، فمن عَقَلَ عن اللّه اعتزلَ أهلَ الدنيا والراغبين فيها ، ورَغِبَ فيما عند اللّه ِ ، وكانَ اللّه اُنْسَه في الوحشة ، وصاحبَه في الوحدة ، وغِناهُ في العَيْلَةِ ، ومُعِزَّهُ من غير عَشيرةٍ .
قوله عليه السلام فيه : (ومَن هَدَمَ عقلَه أفسَدَ عليه دينَه ودُنياهُ) .
إمّا أن يُراد هَدْم أصل العقل فبترك العمل به يصيّره كالمهدوم الذي لا ينتفع به ؛ أو يُراد هَدْم الأثر المترتّب . وهو أظهر .
وضمير «أفسد» يرجع إلى الهدم المدلول عليه بهدم ، ورجوعه إلى الموصول وإن كان أقرب معنى إلاّ أنّه يلزم منه تعدّي فعل المضمر المتّصل إلى ضميره المتّصل في غير باب ظنّ وفقد وعدم ، وقد منعه المحقّقون . ويمكن تأويله بنحو ما أوّلوا به ما استدلّ به على جوازه .
ويحتمل أن يكون «أفسد» مبنيّاً للمفعول ، ولا يرد عليه ما ذكر ، وكما أنّ الدين يحتاج إلى العمل بمقتضى العقل ، فكذا الدنيا .
قوله عليه السلام فيه : (وأطَعتَ هَواك على غَلَبَةِ عَقلِك) .
أي على غلبة هواك عقلك ، فهو من إضافة المصدر إلى المفعول . ويحتمل إضافته إلى الفاعل ، وذكر الغلبة حينئذٍ للتنبيه على أنّ الذي يستحقّ أن يكون غالباً هو العقل ، لا الهوى .
قوله عليه السلام فيه : (ياهشامُ ، الصبرُ على الوحدةِ عَلامَةُ قوّةِ العقلِ ...) . المراد به ـ واللّه أعلم ـ الوحدة والانفراد عن أهل الدنيا ؛ بدليل قوله عليه السلام بعده : (فمَن عَقَلَ عن اللّه اعتزلَ أهلَ الدنيا والراغبينَ فيها ، ورَغِبَ فيما عنداللّه ) وأمّا مخالطة غير أهل الدنيا ، فهو آنس باللّه وبهم .
(وكان اللّه ُ أُنْسَه في الوحشةِ) . أي فيما يستوحش فيه المنفرد الذي يأنس بغير اللّه تعالى .
ويحتمل أن تكون «في» بمعنى «على» كقوله تعالى : « فِى جُذُوعِ النَّخْلِ »۱ . وضمّن الاُنس معنى المساعدة والتسلّط ونحوهما ، وذكره لإفادته مع ذلك الاُنسَ ونحوه .
(وصاحِبَه في الوحدة ، وغِناه في العَيْلَة) بفتح المهملة ، أي الفاقة .
واُنسه وغناه بمعنى مونسه ومغنيه ، وباب رجل عدل لا يجترأ بمثله هنا ، اللهمّ إلاّ بتأويل .