163
الدرّ المنظوم من كلام المعصوم

۰.يا هشام ، إنَّ العقلاءَ تَرَكوا فضولَ الدنيا ، فكيف الذنوب ، وتَرْكُ الدنيا من الفَضْلِ ، وتَرْكُ الذنوبِ من الفَرْضِ .
يا هشام ، إنَّ العاقلَ نَظَرَ إلى الدنيا وإلى أهلِها ، فعَلِمَ أنَّها لا تُنالُ إلاّ بالمشقّة ، ونَظَرَ إلى الآخرة ، فَعَلِمَ أنّها لا تُنالُ إلاّ بالمشقّة ، فطَلَبَ بالمشقّة أبقاهما .
يا هشام ، إنَّ العقلاءَ زَهِدوا في الدنيا ورَغِبوا في الآخرة ؛ لأنّهم عَلِموا أنّ الدنيا طالِبةٌ ومطلوبَةٌ ، والآخِرَةَ طالبةٌ ومطلوبةٌ ، فمن طَلَبَ الآخرة ، طَلَبَتْه الدنيا حتّى يَستَوفيَ منها رزقَه، ومن طَلَبَ الدنيا طَلَبَتْه الآخرةُ ، فيأتيه الموتُ ، فيُفْسِدُ عليه دنياهُ وآخرتَهُ.

قوله عليه السلام فيه : (إنّ العقلاءَ تَرَكوا فضولَ الدنيا ، فكيف الذنوبَ) .
المراد منه ـ واللّه أعلم ـ بفضول الدنيا مباحاتها الزائدة عمّا يحتاج إليه ، أو ما يعمّ المكروه ، ومن تبع عقله في ترك ذلك فتركه للذنوب بطريق أولى .
قوله عليه السلام فيه : (ياهشام ، إنّ العُقلاءَ زَهِدوا في الدنيا ورَغِبوا في الآخرة ؛ لأنّهم عَلِموا أنّ الدنيا طالبةٌ و۱مطلوبةٌ ، والآخرة طالبةٌ ومطلوبةٌ ، فمَن طَلَبَ الآخرةَ طَلَبَتْه الدنيا حتّى يَستوفِيَ منها رزقَه ، ومن طَلَبَ الدنيا طَلَبَتْه الآخرةُ ، فيأتيه الموتُ ، فيُفْسِدُ عليه دنياه وآخرتَه) .
معناه ـ واللّه أعلم ـ أنّ علّة زهد العقلاء في الدنيا أنّهم علموا أنّ الدنيا طالبةٌ للإنسان أن يكون فيها حريصاً عليها إلى انقضاء أجله ، ومطلوبةٌ له كذلك ، فإذا انقضى الأجل بطل الطلب من الجانبين ، والآخرة طالبةٌ للإنسان أن يعمل لها في الدنيا عملاً يوصله إلى نعيمها الدائم ، ومطلوبةٌ للإنسان بأن يكون متنعّماً فيها كذلك ؛ فمن طلب الآخرة وأراد الوصول إليها ، فعمل بما يوصله في الدنيا ، كانت الدنيا طالبة له وطامعة فيه بأن يحرص عليها وينقاد إليها إلى أن يستوفي رزقه منها الذي كتبه اللّه له ، سواء حرص عليها وطلبها أم لا ، ويحضر أجله ، وعند ذلك ينقطع طلبها وتيأس منه ، ومن طلب الدنيا واشتغل بها عمّا يوصله إلى الآخرة وحرص عليها ، طلبته الآخرة أن يعمَل لها ، فإذا انقضى أجله واستوفى رزقه من الدنيا ، أتاه الموت فأراحه عن الدنيا وحالَ بينه وبينها ، ولم يحصل الآخرة .
وتحتمل العبارة معنى آخر ، وهو أنّ الدنيا تطلبه لأجل أن يستوفي منها رزقه ؛ فتكون «حتّى» للتعليل ، لا للغاية كما في الأوّل ، وإذا طلبته لذلك فالرزق في الدنيا وطلبها لأجله لابدّ منه ، وهذا هو مقصود العقلاء من الدنيا ؛ ومن طلب الدنيا طلبته الآخرة على الوجه المتقدّم ، أو طلبته فأجاب داعيها ، وهو الموت في وقت لا يترتّب له على إجابتها فائدة من حيث إنّ ذلك مشروط بالعمل وقد انقضى وقته ، فبموته فسدت دنياه ولم يحصل الآخرة .
ولا يخفى الراجح بعد التأمّل في هذه الاحتمالات ؛ واللّه تعالى أعلم .

1.في «ألف و ب» وكثير من نسخ الكافي : - «و» .


الدرّ المنظوم من كلام المعصوم
162

۰.يا هشام ، قليلُ العملِ من العالم مقبولٌ مُضاعَفٌ ، وكثيرُ العملِ من أهل الهوى والجهلِ مَردودٌ .
يا هشام ، إنَّ العاقلَ رَضِيَ بالدون من الدنيا مع الحكمةِ ، ولم يَرْضَ بالدون من الحكمةِ مع الدنيا ، فلذلك رَبِحَتْ تِجارَتُهُم .

قوله عليه السلام فيه : (ياهشام ، قليلُ العملِ من العالم مقبولٌ مضاعفٌ ، وكثيرُ العمل من أهل الهوى والجهل مَردودٌ) .
المضاعفة إمّا تفضّل من اللّه تعالى ، أو مضاعف باعتبار العلم والعمل . والعمل وإن كثر إذا لم يكن عن العلم الذي هو شرطه لا يستحقّ عليه ما يقابله ، فيكون ضائعاً .
و«أهل الهوى» الظاهر أنّ المراد بهم مَن أخَذَ العلم عن غير أهله ، فسمّاه الناس عالماً وسمّى نفسه بذلك ؛ أو من كان علمه عن هواه . وهذا في الحقيقة لا يستحقّ التسمية بالعالم ، بل هو من أهل الهوى والرأي ونحوهما التي ترك العمل لأجل متابعتها . وأهل الجهل مَن عداهم من الجهّال .
وتقديم أهل الهوى لتقدّم مرتبتهم في فساد العمل . ويحتمل إرادة الجميع من أهل الهوى . وذكر أهل الجهل للتنبيه على كونهم أهل جهل ؛ واللّه أعلم .

  • نام منبع :
    الدرّ المنظوم من كلام المعصوم
    المساعدون :
    الدرایتي محمد حسین
    المجلدات :
    1
    الناشر :
    دار الحدیث للطباعة و النشر
    مکان النشر :
    قم المقدسة
    تاریخ النشر :
    1430 ق/ 1388 ش
    الطبعة :
    الاولى
عدد المشاهدين : 127578
الصفحه من 715
طباعه  ارسل الي