169
الدرّ المنظوم من كلام المعصوم

۰.والتواضعُ أحبُّ إليه من الشَرَف ، يستكثرُ قليلَ المعروفِ من غيره ، ويستقلُّ كثيرَ المعروفِ من نفسه ، ويرى الناسَ كلَّهم خيرا منه ، وأنّه شرُّهم في نفسه ، وهو تمامُ الأمرِ .

قوله عليه السلام فيه : (ويَرَى الناسَ كُلَّهم خيراً منه ، وأنّه شَرُّهم في نفسِه ، وهو تَمامُ الأمرِ) .
الظاهر أنّ المراد بالناس هنا المؤمنون ، فإنّ غيرهم ليسوا من الناس الذين يدخلون في هذا المقام . وهذا كما يسمّى بالعقلاء العاملون بعقلهم ، وغيرهم يسلب عنهم هذا الاسم وإن كان لهم عقل ، بل لا يسلب في مقام الذمّ إلاّ عن ذوي العقول ، ويمكن دخول من يجهل حاله .
وأمّا نحو الكفّار فلا يناسب إدخالهم في الناس هنا ، إلاّ أن يُراد بالشرّ والخير ما يشمل ما لا يتعلّق بالعقائد ونحوها ممّا يمكن اشتراك المؤمن وغيره فيه ؛ فيحتمل بعيداً إدخالهم في العموم ، أو باعتبار الخاتمة وأنّ كلّ أحد يراه يقول : ربما يكون خاتمته أحسن من خاتمتي ، فإنّ الكافر ونحوه يمكن رجوعهما ۱ إلى الحقّ وحسن الخاتمة ، ويمكن فيه العكس .
ذكر مضمون هذا الوجه الغزالي في الإحياء ۲ ؛ واللّه تعالى أعلم .
وفي أمالي الشيخ بإسناده عن زر بن أنس قال :
سمعت جعفر بن محمّد عليه السلام يقول : «لا يكون المؤمن مؤمناً حتّى يكون كامل العقل ، ولن يكون كامل العقل حتّى يكون فيه عشر خصال : الخير منه مأمول ، والشرّ منه مأمون ، يستقلّ كثير الخير من نفسه ، ويستكثر قليل الخير من غيره ، ويستكثر قليل الشرّ من نفسه ، ويستقلّ كثير الشرّ من غيره ، ولا يتبرّم بطلب الحوائج قِبَلَه ، ولا يسأم من طلب العلم عمره ، الذلّ أحبّ إليه من العزّ ، والفقر أحبّ إليه من الغنى ، حسبه من الدنيا قوت ، والعاشرة ـ وما العاشرة ـ : لا يلقى أحداً إلاّ قال هو خير منّي وأتقى ، إنّما الناس رجلان : رجلٌ خير منه وأتقى ، وآخَرُ شرّ منه وأدنى ، فإذا لقي الذي هو خير منه تواضَعَ له ليلحق به ، وإذا لقي الذي هو شرّ منه وأدنى ، قال : لعلّ شرّ هذا ظاهرٌ وخيره باطنٌ ، فإذا فعل ذلك فقد علا وسادَ أهل زمانه» ۳ انتهى .
فقوله عليه السلام في هذا الحديث : «والعاشرة وما العاشرة» هو معنى قول أميرالمؤمنين صلوات اللّه عليه : «وهو تمام الأمر» ومعناهما تعظيم أمر العاشرة والتعجيب منها ، وأنّها أمر شاقّ عزيزُ الوقوع ، كتعظيم أمر القارعة في قوله تعالى «الْقَـارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ»۴ ونحوه .
وأنّها تمام أمر الإيمان إمّا بمعنى أنّها كمال أمره ، بحيث إذا حصلتْ دخل تحتها غيرها ، فإنّ من حصَّل هذه المرتبة هانَ عليه غيرها ؛ وإمّا بمعنى أنّ بها يختم هذا الأمر ، ولا يبقى بعده ما يحتاج إليه تمام الإيمان ، كما ختمتْ نبيّنا صلى الله عليه و آله النبوّة والرسالة ، وكان جامعاً لكمالات الأنبياء وزائداً عنهم .
وفي هذا الحديث قرينة على إرادة المؤمنين دون غيرهم ، فالأوّل مثله ؛ واللّه تعالى أعلم .

1.في «ج» : «رجوعهم» .

2.راجع : إحياء علوم الدين ، ج ۳ ، ص ۳۸۴ .

3.الأمالي ، للطوسي ، ص ۱۵۳ ، المجلس ۶ ، ح ۵ .

4.القارعة (۱۰۱) : ۱ ـ ۲ .


الدرّ المنظوم من كلام المعصوم
168

۰.وما تَمَّ عقلُ امرئ حتّى يكونَ فيه خصالٌ شتّى : الكفرُ والشرُّ منه مَأمونان ، والرشدُ والخيرُص 19
منه مَأمولان ، وفضلُ ماله مبذولٌ ، وفضلُ قوله مكفوفٌ ، ونصيبُهُ من الدنيا القوتُ ، لا يَشْبَعُ من العلم دهرَه ، الذلُّ أحبُّ إليه مع اللّه من العزّ مع غيره ، .........

وقوله عليه السلام : «وما تمّ عقل امرئ ...» أي ما تمّ عقله بمتابعته إيّاه في كلّ ما يدلّ عليه ، وعدم مخالفته في شيء ؛ أو ماتمّ بإتمام اللّه تعالى له إيّاه بزيادته وتوفيقه حتّى يكون فيه خصال شتّى ، أي متفرّقة ، قلّما تجتمع في واحد بتوفيق اللّه تعالى وهدايته ولطفه الزائد «وَ الَّذِينَ جَـاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا»۱ ومَن جَمَعَها جَمَعَ غيرها من الخصال الحميدة .
وآخر الخصال ينافي دخول المعصوم ليكون متميّزاً بغير هذه ، وذكر المؤمن في حديث الصادق عليه السلام الآتي يشعر بذلك وتعليمهم الناس يدلّ على المغايرة ، وليس منه تعليم غيرهم لغيرهم ؛ واللّه أعلم .
قوله عليه السلام فيه : (والرشدُ والخيرُ منه مَأمولانِ ، وفضلُ مالِه مبذولٌ ، وفَضْلُ قولِه مَكفوفٌ) . أي يكون تحصيل الرشد والخير منه مأمولاً .
«وفضل ماله مبذولٌ» أي الزائد عن قدر كفايته وما يحتاج إليه .
وفيه دلالة على أنّ الذي يبذل غير الفضل لا يكون تامّ العقل ، وكذا من يقول قولاً زائداً عمّا يحتاج إليه ويقتضيه المقام والعقل .
قوله عليه السلام فيه : (والتواضعُ أحَبُّ إليه من الشرف) .
المراد من الشرف هنا الرفعة التي يُنافيها التواضع عند صاحبها أو الناس ؛ واللّه أعلم .

1.العنكبوت (۲۹) : ۶۹ .

  • نام منبع :
    الدرّ المنظوم من كلام المعصوم
    المساعدون :
    الدرایتي محمد حسین
    المجلدات :
    1
    الناشر :
    دار الحدیث للطباعة و النشر
    مکان النشر :
    قم المقدسة
    تاریخ النشر :
    1430 ق/ 1388 ش
    الطبعة :
    الاولى
عدد المشاهدين : 127545
الصفحه من 715
طباعه  ارسل الي