۰.فاعتَبِروا يا اُولي الأبصار ، وتوكّلوا على اللّه » .
۶.محمّد بن يحيى ، عن بعض أصحابه ؛ وعليُّ بن إبراهيم ، عن هارون بن مسلم ، عن ص ۵۵
مسعدة بن صدقة ، عن أبي عبداللّه عليه السلام ؛ وعليّ بن إبراهيم، عن أبيه ، عن ابن محبوب، رَفَعه، عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:«إنَّ من أبغض الخلق إلى اللّه عزّوجلّ لَرجلين: رجلٌ وَكَلَه اللّه
وقوله عليه الصلاة والسلام : «فاعتبروا يا اُولي الأبصار» أمر منه لأهل البصائر بأن يتفحّصوا ويتبيّنوا من هو بهذه المنزلة ، ولا يزيغوا عن الحقّ بعد هذا البيان الواضح والحجّة البالغة .
وفي التعبير بـ «الأبصار» دون «البصائر» من النكتة ما لا يخفى على المتأمّل .
ثمّ أمرهم عليه السلام بالتوكّل على اللّه في ذلك وغيره ، وأن لا يكون اتّكالهم على قواهم وأهوائهم وآرائهم ، ومتابعة الشيطان في أمره بسلوكهم غير هذا السبيل ، وهذا كما تقول : افعل كذا وتوكّل على اللّه ، أي لا تتّكل فيه على عقلك وحولك وقوّتك ؛ أو اتّخذ التوكّل عليه تعالى عوناً لك على فعله أو مطلقا ؛ واللّه أعلم .
قوله عليه الصلاة والسلام : (إنّ من أبغَضِ الخلقِ إلى اللّه عزّ وجلّ لَرجلينِ : رجلٌ وَكَلَه اللّه إلى نفسه ، فهو حائرٌ۱عن قصدِ السبيلِ ، مَشغوفٌ۲بكلامِ بِدعةٍ ، قد لَهِجَ بالصومِ والصلاةِ ، فهو فتنةٌ لِمَنِ افْتَتَنَ به ، ضالٌّ عن هَدْيِ مَن كان قبلَه ، مُضِلٌّ لمن اقتدى به في حياته وبعد موته ، حَمّالُ خطايا غيرِه ، رَهْنٌ بخطيئته . ورجلٌ قَمَشَ جهلاً في جُهّالِ الناسِ ، عانٍ بأغباشِ الفتنةِ ، قد سمّاهُ أشباهُ الناسِ عالِماً ، ولم يَغْنَ فيه يوماً سالما ، بَكَّرَ فَاسْتَكْثَرَ ، ما قَلَّ منه خيرٌ ممّا كَثُرَ ، حتّى إذا ارتوى من آجِنٍ واكتنزَ مِن غير طائل جَلَسَ بين الناسِ قاضياً ضامناً لتخليص ما الْتَبَسَ على غيره ، وإن خالَفَ قاضياً سَبَقَه ، لم يَأمَنْ أن يَنْقُضَ
حُكمَه مَن يأتي بعدَه كفِعْلِه بمَن كانَ قبلَه ، وإن نزلَتْ به إحدى المُبهَماتِ المُعضِلاتِ هَيَّأَ لها حشواً من رأيه ، ثمّ قَطَعَ۳، فهو من لَبْسِ الشُّبُهاتِ في مِثْلِ غَزْلِ العنكبوت لا يَدْرِي أصابَ أم أخطَأَ ، لا يَحْسَبُ العلمَ في شيء ممّا أنكَرَ ، ولا يَرى أنّ وراءَ ما بَلَغَ فيه مَذهباً ، إن قاسَ شيئاً بشيءٍ لم يُكَذِّبْ نَظَرَه ، وإن أظلَمَ عليه أمرٌ اكْتَتَمَ به ؛ لما يَعلَمُ من جهلِ نفسه ، لكي لا يُقالَ له : لا يَعلَمُ ، ثمّ جَسَرَ فقضى ، فهو مفتاحُ عَشَواتٍ ، رَكّابُ شُبُهاتٍ ، خبّاط جَهالاتٍ ، لا يَعتذِرُ ممّا لا يَعلَمُ فَيَسْلَمَ ، ولا يَعَضُّ في العلم بِضرْسٍ قاطِعٍ فيَغْنَمَ ، يَذري الرواياتِ ذَرْوَ الريحِ الهَشيم ، تَبكِي منه المواريثُ ، وتَصْرُخُ منه الدماءُ ؛ يُستَحَلُّ بقضائه الفَرْجُ الحرام ، ويُحَرَّمُ بقضائه الفَرْجُ الحلالُ ، لا مَلِئٌ بإصدار ما عليه وَرَدَ ، ولا هو أهلٌ لما منه فَرَطَ مِن ادّعائه علمَ الحقِّ) .
هذا الكلام الشريف في نهج البلاغة ۴ ، وبينه وبين ماهنا اختلاف كثير ، وقد تقدّم الكلام في وجوه الاختلاف الواقع في مثله .
قوله عليه السلام : «إنّ من أبغض الخلق إلى اللّه عزّ وجلّ لَرجلين» . قد اشتمل هذا الكلام الشريف على ضروب من التأكيد الدالّة على كونهما في زمرة من هم أبغض الخلق إلى اللّه ، وهب أنّهما ليسا في مرتبة مثل فرعون وفلان وفلان ، فهما من مشاركيهم في مرتبة التفضيل الناقص .
قال الشيخ ميثم رحمه اللّه في مختصر الشرح :
البغض من اللّه يعود إلى علمه بمخالفة العبد لأوامره ، وإطلاقه مجازٌ ؛ إطلاقاً لاسم اللازم على ملزومه ؛ و«وكّله إلى نفسه» : جعل اعتماده عليها ؛ انتهى ۵ .
1.في الكافي المطبوع وكثير من نسخه : «جائر» .
2.في الكافي المطبوع وكثير من نسخه : «مشعوف» .
3.في الكافي المطبوع وكثير من نسخه : + «به» .
4.نهج البلاغة ، ص ۵۹ ، الخطبة ۱۷ .
5.اختيار مصباح السالكين ، ص ۱۱۳ .