417
الدرّ المنظوم من كلام المعصوم

۰.حتّى إذا ارتوى من آجِنٍ واكْتَنَزَ من غير طائل جَلَسَ بين الناس قاضيا ضامنا لتخليص ما التبس على غيره ، وإن خالَفَ قاضيا سَبَقَه ، لم يأمَنْ أن يَنقُضَ حكمَه مَن يأتي بعدَه كفِعْلِهِ بمَن كانَ قبلَه ، .........

«حتّى إذا ارتوى من آجنٍ» أي بكّر وحصل الكثير حتّى امتلأ ممّا هو كالماء الآجن ، وهو المتغيّر الطعم واللون والرائحة من الجهل والاعتقادات الفاسدة وما شابهها ۱ ، كما يمتلي المرتوي من الماء ، يقال : رويتُ وارتويتُ وتروّيتُ ، كلّه بمعنى ؛ ذكره في الصحاح ۲ .
«واكتنز من غير طائل» .
في القاموس : «اكتنز» : اجتمع وامتلأ ۳ . فالمعنى أنّه امتلأ من هذا الشيء الذي لا طائل تحته ، أو أنّه حصّل وجمع وأحرز ما هو عنده بحسب اعتقاده الفاسد كالكنز من غير أن يكون إحرازه وجمعه لشيء ينتفع به ، أو من غير أن يكون أصله ممّا يُشابه ما يكتنز ، أو من غير أن يترتّب عليه نفع كما يترتّب على المال المكتنز ؛ بل ضرر .
«ضامناً لتخليص ما التبس على غيره» .
وجه ضمانه أنّه لم يكن فعله وتحصيله مأخوذين عن أصل ليكون حجّة وسنداً ، بل لمجرّد الشهرة وإظهار الفضيلة بين الناس ليعتقدوه ويروّجوا حاله ، ولم يكن أساسه على تقوى ، ومن كانت هذه حاله كان ضامناً للجواب عن كلّ ما يسأل عنه ويرد عليه ، فإنّ المانع حينئذٍ من التحرّز والتثبّت مفقود ، والمقتضي للجرأة والضمان موجود ، وجوابه بـ «لا أدري» ونحوه ينافي مطلبه ، فيجترأ على الشيء الذي التبس على غيره ولم يعرف وجهه ، وتركه خوفاً من اللّه أو نحو ذلك ، وغير ما التبس ظاهر جرأته عليه .
«وإن خالف قاضياً سَبَقَه ، لم يأمن أن يَنقُضَ حكمَه مَن يأتي بعدَه» . لمّا لم يكن ما يأتي به هذا ناشئاً عن أصل صحيح ، كان هذا المتصدّي خائفاً من نقض حكمه ؛ لبنائه على غير أساس . وعدم الأمن بمعنى أنّه غير مستقرّ الخاطر بما أتى به ، بل حكمه معرض للنقض والهدم ، والناقض قد يكون محقّاً وقد يكون مبطلاً مثله ، ونقضه له من غير وجه .
وكلّ هذا بيان لحال هذا الرجل وأنّ ما حصّله لمّا لم يكن على وجهه ، كان ما ذكره عليه السلام من جملة مفاسده الدنيويّة وما يترتّب عليها من العقوبات الاُخرويّة ، وتنبيهاً للغافلين عن حال هذا الرجل ، وعلى أنّ العلم يجب أن يكون مأخوذاً عن أهله حتّى لا يحصل نقض في حضورهم عليهم السلام ، ويكون القاضي مستندا إلى أمرهم ونهيهم في فتواه في غيبتهم . والنقض لسهو مع التحفّظ أو لترجيح ما يستند إليهم لعلّه ليس من هذا القبيل ؛ واللّه أعلم .

1.في «ج» : «شابههما» .

2.الصحاح ، ج ۶ ، ص ۲۳۶۴ (روى) .

3.القاموس المحيط ، ج ۲ ، ص ۱۸۹ (كنز) .


الدرّ المنظوم من كلام المعصوم
416

۰.بكَّرَ فاستَكْثَرَ ، ما قَلَّ منه خيرٌ ممّا كَثُرَ ، .........

«بكّر فاستكثر» .
قال في مختصر الشرح : « [ استعار ] ۱ وصف التبكير للسبق في أوّل العمر إلى جمع الشبهات والآراء الباطلة» انتهى ۲ .
ويحتمل أن يكون المعنى أنّ هذا الرجل جدّ في هذا الأمر كما يجدّ الذي يغدو لحاجته بكرةً .
«فاستكثر» ، أي فحصل الكثير من هذا المطلب الخسيس ، فالاستفعال ليس بمعنى الطلب كاستقبل واستدبر ، ومثله كثير ، فهو من قبيل استوسق واستوثق . ويحتمل إرادة طلب الفعل بمعنى أنّه لمّا بكّر طلب بهذا الفعل أن يحصل له الكثير .
والوجهُ الأوّل .
«ما قَلَّ منه خيرٌ ممّا كَثُرَ» أي ماقلّ من هذا الرجل من التبكير والاستكثار ، أو ماقلّ من هذا الفعل الصادر منه خير ممّا كثر منه .
ولمّا كانت الأفعال الحسنة والخصال الحميدة كثيرها خيرٌ من قليلها باتّفاق العقلاء ، أرادَ عليه السلام أن ينبّه على أنّ هذا عكس ذاك ، وأنّه ممّا قليله خير من كثيره ، بمعنى أنّه ليس بداخل في ذلك القسم ، وليس المقصود وجود الخير في القليل أكثر منه في الكثير .
ويمكن أن يكون بمعنى أنّ القليل أقَلّ ضرراً من الكثير ، أو أن يكون الخير فيهما باعتبار اعتقاده وعكسه عليه ، أو باعتبار تسمية ترك العقوبة على مازاد على القليل خير ، أو الخير في الكثير باعتبار اعتقاده فيه الخير .

1.ما بين المعقوفين من المصدر .

2.اختيار مصباح السالكين ، ص ۱۱۳ .

  • نام منبع :
    الدرّ المنظوم من كلام المعصوم
    المساعدون :
    الدرایتي محمد حسین
    المجلدات :
    1
    الناشر :
    دار الحدیث للطباعة و النشر
    مکان النشر :
    قم المقدسة
    تاریخ النشر :
    1430 ق/ 1388 ش
    الطبعة :
    الاولى
عدد المشاهدين : 127485
الصفحه من 715
طباعه  ارسل الي