من الأنانيّة وعين الجمع إلى مقام الفناء، وهذا من غاية معرفته بربّه. ولم يفعل كما فعل أهل الجمع الذين اغترّوا من الحقّ به وادّعوا الأنانيّه، فإنهم محجوبون عنه. و كان عليه الصلاة والسلام غير مستدرج به عنه، لاجرم تواضع لجبروته وخضع لملكوته، وجعل نفسه من جملة مساكينه المفتقرين بنعت المعرفة إلى مشاهدة ربّهم، المُقِرّين بفنائهم في بقائه، العطشين إلى أوّليّته وعرفان أحديّته، بعد ما شربوا أبحُر المعارف والكواشف، وشاهدوا عين الجمع وعين الكلّ بعين الحقّ. فأراد ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن يبلغ معهم مشاهد القِدَم بنعت الفناء والعدم علماً بغيرة بقائه.
۱۴۴.وقال صلى الله عليه و سلم:لعن اللّه فقيراً تواضع لغنيّ لأجل ماله، مَن فعل ذلك منهم فقد ذهب ثلثا دينه ۱ .
ذهب ثلثا دينه في ذلك الوقت، فإن تاب اللّه عليه رجع دينه إليه، فإنّه غُمّة وإبهام واحتجاب النفس بغيره. وإشارته ـ عليه الصلاة والسلام ـ في «ثلثا دينه» إلى أنّ الدين ثلاثة أقسام: ثلث إيمان، وثلث إيقان، وثلث عرفان. فإذا نظر صاحبُها إلى صاحب الدنيا واستحسن حاله وتواضع له للدنيا، فقد احتجب عن العرفان والإيقان، وبقي في قلبه إيمانه الذي به حقن دمَه؛ لأنّ من عرف اللّه لم ينظر إلى الكون بعين استحسانه، ولم يأت بعينه جميع الوجود.
۱۴۵.وقال صلى الله عليه و سلم:النظر إلى وجه الإخوان على الشوق إليهم أحبُّ إليّ من ألف ركعة تطوّعاً ۲ .
العبادة مركب المحبّة، تسير بها إلى عالم المحبوب بعد خروج صاحبها من الكون ورؤية الإخوان من شوق الرحمن يوجب النظر إلى مشاهدته في ذلك