العقل جوهر الاصطفائيّة لايقبل المعصية لاستعداده للعبوديّة، ولايفعل إلاّ ما يوافق الرضى، فأراد اللّه تعالى أن يزكّي عباده بنيران امتحانه، فيذهب عقولهم ليجري عليهم العصيان بعد العصمة، لوقوع الندامة، وليعرّفهم نفوسهم بالعجز والفناء إذا وصلوا إلى الآخرة. ويكون ذهاب عقولهم عند الهمّ في عصيانهم، لأنّهم في زمان المعصية على محلّ المجانين مرفوعون القلم، يقول اللّه تعالى يوم القيامة: يا عبادي أنتم في أوقات العصيان غير مكلّفين إذ ذهب عنكم عقولكم، وأنا أرحم الراحمين وأعدل العادلين لا اُعذّب من لاعقل له.
۱۸۱.وقال صلى الله عليه و سلم:إذا أحسستم من أنفسكم رقّةً اغتنموا الدعاء واسألوه أن يفتح عقد ألسنتكم وأثقال قلوبكم، واسألوه من الدنيا الكفاف والتبلّغ منها بالعفاف ۱ .
أشار إلى وقت انفتاح أبواب الغيوب في القلوب وانتشار أنوارها فيها، وهو وقت الشهود ونفحات اللقاء، فإذا تمّ غليان القلب بصفاء الشوق في مقام القرب، يتعرّض له في أثناء جريان السرّ من غيب الغيب بَردُ إجابة الدعوة، فهناك يجاب الدعوة في أثناء سكون السرّ لافي الغلبات. وأحسن هنالك ذهاب اللكنة عن لسان الفصاحة، وارتفاع أثقال البُعد عن قلوب أهل القرب، ليتكلّم اللسان بعبارات التوحيد ولطائف التجريد، ويبلغ القلب عيان العيان. الكفاف من الدنيا معرفة اللّه ، والعفاف الخروج عمّا دون اللّه .
۱۸۲.وقال صلى الله عليه و سلم:أنا الشاهد على اللّه أن لايعثر عاقل إلاّ رفعه، ثم لايعثر إلاّ رفعه، ثمّ لايعثر إلاّ رفعه ثم لايعثر الاّ رفعه، حتى يصيّره إلى الجنة ۲ .
وصف وليّ اللّه الذي عثراتهُ سبب درجاته، كلّ عثرة منه تربية من اللّه له يُعَرِّف بها نفسه إليه، ويلزمه مقام العبودية بنعت التواضع والفناء، وذلك منه حقيقة معرفة
1.الدعوات، ص۳۰؛ كنزالعمّال ، ج۲ ، ص۱۰۲ وفيه: «اغتنموا الدعاء عند الرقة فإنّها رحمة» .
2.كنزالعمّال ، ج۳ ، ص۳۸۰