أنّ كلّ عمل فيه حظّ النفس فهو من الدنيا وإن كان بصورة العبادة، وكلّ عمل فيه خلاف النفس فهو من الآخرة ولو بصورة المعصية، فلا ينفع شيء من الدنيا في نيل الآخرة ولا شيء من الآخرة في نيل الدنيا، بل هما ككفّتي الميزان رجحان كلّ منها خسران الآخر، وأمّا كلّ المشوب فالحقّ أن ينظر إلى قوّة الباعث وضعفه، فإن كان الباعث الأخروي مساويا للباعث الدنيوي تقاوما وتساقطا وصار العمل لا له ولا عليه، وإن كان الأخروي أقوى فهو له بقدر فضله، وبالعكس بالعكس، وذلك كمن تناول المسخّن والمبرّد معا ۱ ؛ فافهم.
قوله عليه السلام : (وأَخَافَكَ مَخَافَةَ الْمُوقِنِينَ) اليقين أن يرى الأشياء كلّها من مسبّب
الأسباب، وأن يتيقّن أن لا حول ولا قوّة إلاّ باللّه ، وأنّه لا يصيبه خيرٌ ولا شرٌّ إلاّ بإرادة اللّه ، ولا يلتفت إلى الوسائط، بل يرى الوسائط كلّها مسخّرة لا حكم لها، ثُمّ الثقة بضمان اللّه سبحانه للرزق وأنّ ما قدّر له سيساق إليه، ثمّ أن يغلب على قلبه أنّ «مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرّا يَرَه»۲ ، ثمّ المعرفة بأنّ اللّه مطّلع عليه في كلّ حال ومشاهدٌ لهواجس خاطره وخفايا ضميره، فيكون متآديا في جميع أحواله وأعماله مع اللّه سبحانه، فيكون مبالغا في عمارة باطنه وتطهيره وتنزيهه. هكذا أفاده في الحقائق ۳ .
والخوف تألّم القلب واحتراقه بسبب توقّع مكروه. والخوف من اللّه تارة يكون بمعرفة اللّه ومعرفة صفاته، وتارةً يكون بخيانة من العبد، وتارة يكون بهما جميعا، وله درجات ومراتب.
ومن علامات الخوف فيضان أثر الحرقة من القلب على البدن والجوارح
1.إحياء علوم الدين ۴:۳۷۹ بيان حقيقة الإخلاص.
2.زلزال (۹۹) : ۷ . ۸ .
3.لم أعثر على الحقائق .