غلبته الشهوة ؛ فإنّ النفس تفرح في التنعم في الدنيا وتركن إليها وتطمئنّ بها أشِراً وبطِراً [ حتّى تصير ]ممتلئاً به ، كالسكران الذي لا يفيق من سكره ، وذلك أنّ الفرح بالدّنيا سمّ قاتل يسري في العروق فيُخرِج من القلب الخوف والحزن وذكر الموت وأهوال يوم القيامة ۱ .
أقول : انظرْ ـ يا أخي ـ إلى حسن هذا الحديث وحديث ما قبله كيف جعل النجاة من نار الشهوات موقوفة على ترك التنعّم بالمباحات فضلاً عن المحرّمات ؟ وكيف جعل الهلاك لازماً لارتكاب التنعّم بالمباحات ، وما أبلغ قوله عليه السلام ۲ في هذا المقام : «التنعّم بالمباحات» /105/ وما أحسن ما فسّره العارف بالذي خرج عن قدر الضروري الذي هو اقتصاد في الشهوات ؛ لأنّ التنعّم عبارة عن اتّخاذ الملاذّ الدنيويّة لأجل أنّها ملاذّ ، لا لأجل أنّها ۳ قوام للبدن أو قوام للتعيّش في المنزل والمدينة ، كما أنّ الاقتصاد عبارة عن اتّخاذ الملاذّ لأجل أنّها قوام للبدن أو التعيّش لا لأنّها ملاذّ ، فمن اتّخذ ملاذّ المأكولات مثلاً على قدر ما يقوم به مزاج البدن وآلاته ، وهو القدر المعتدل الضروريّ الذي قدّره النفس الشهويّة البهيميّة ؛ كما قال عليه السلام : وأضرّ واللّه بالحلال الصّافي إلاّ ما لابدّ منه ۴ إلى آخره فهو في الحقيقة مستدوٍ ۵ لا متنعم ، ومن اتّخذ منها من أجل أنّها ملاذّ فهو يأخذها على قدر قوّة النفس الشهويّة البهيميّة ۶ ، لا على قدر الضروري الذي قدّرها النفس ۷ العاقلة ، فهو متنعّم بالمأكولات لا مستدوٍ بها . وكذلك الأمر في سائر اللذّات الدنيويّة المتعلّقة بالبدن من الملبس والمنكح ، والمتعلّقة بنظام العيش في المنزل والمدينة من الكبر والبهاء وإنفاذ الحكم والمطاعيّة وأمثالها ، فمن اتّخذ بقدر
1.تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ، ص ۹۷ .
2.«التنعم بالمباحات» ليس من قوله عليه السلام .
3.الف وب : لأنها .
4.الكافي ، ج۲ ، ص۱۳۶ ، ح۲۳ ؛ عنه بحار الأنوار ، ج۷۰ ، ص۷۵ ، ح۳۹ .
5.الف وب : مستدوي . وكذلك المورد الآتي .
6.الف و ب : البهيمة .
7.الف و ب : نفس . وكذلك المورد الآتي .