وإن شئت أن تعرف اُنموذجاً من صنائع اللّه عز و جل ولطفه و رحمته بخلقه وتسرخ ۱ في ميدان معرفة الصنع وتدبيرات صنعه وعجائبه، فعليك بمطالعة كتاب المفضَّل بن ع مر الّذي أملاَهُ عليه الصادق عليه السلامفي ما خلق اللّه سبحانه من الآثار، وانظر كتاب الإهليجيّة ۲ وما فيه من الاعتبار، والحقّ أنّه مع قلّة حجمه كتابٌ يُظهِر لمن مارسه الحِكَمَ الإلهية والتدبيرات الربوبية، ما يكلّ اللسان عن وصفه، ويعجز البيان عن شرحه.
وَخَلَقْتَ بِهِ الظُّلمَةَ: الفرق بين الخالق والصانع أنّ الخالق هو المقدّر للأشياءِ على مقتضى حكمته، سواءٌ خرجت إلى الوجود أم لا، والصانع كما مرّ هو الموجد للشيء المخرِج له من العدم إلى الوجود، والظلمة خلاف النور.
وَجَعَلتَها لَيلاً: أي جعلتها طارئة على الليل، والليل هو الظلام المعاقب للنهار، وهو جزء من الزمان من غروب الشمس إلى طلوعها أو إلى طلوع الصبح المستطير الصادق، فالليل / 30 / ممّا يذكَّر ويؤنّث بحسب السماع، كما صرّح به بعض الأفاضل في حاشيته على المطوّل، وتقديم ذكر الليل على النهار لموافقته لما في القرآن، كقوله تعالى: «ومِن رحمته جَعَلَ لكم اللَّيل والنَّهار»۳ ولأنّ الليل الأصل، وضوء النهار طار، ولتقدّمه؛ لأنّ الظلمة عدم الضوء عمّا شأنه الضوء، والعدم متقدّم على الوجود.
وَجَعَلْتَ اللَّيلَ سَكَناً: بفَتح أوّله وثانيه، أي موجباً للسكون والراحة، والسَّكن بالتحريك مايسكن إليه من أهل ومال وغير ذلك؛ فإنّ الليل يطمئنّ إليه التعب بالنهار لاستراحته فيه، وهو غاية مترتّبة على خلق الليل.
وفي العلل عن يزيد بن سلام أنّه سأل رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم، فقال: أخبرني لمَ سُمّي الليل [ليلاً] ۴ ؟ قال: لأنّه يلايل الرجال من النساء، جعله اللّه عز و جل اُلفةً ولباساً، وذلك قول اللّه:
1.كذا في النسخة، و الصحيح ظاهراً: تسرح.
2.كذا في النسخة، و الصحيح: الإهليلجة.
3.سورة القصص، الآية ۷۳.
4.أضفناه من المصدر.