لأنّ الأمر بالشي ء يستلزم النهيَ عن ضدّه ـ كما قُرّر في الأصول ۱ ـ .
فإن قال قائل : فَعلامَ تحمل الآيات التي نزلت في تحريم الخمر؟
قلنا : نحملها على الإرشاد إلى حكم العقل السليم بقبح شرب الخمر ، ومزيد التأكيد في التحريم ، وزجر من يتعاطى ذلك ، دون التأسيس ، لأنّها لم تكن مباحةً في شريعةٍ مّا قطُّ ـ كما سلف بيانه ـ .
وهذا نظير ما جاء من الآيات في النهي الأكيد عن الربا والزنا وغيرهما من الموبقات المحرَّمة في جميع الشرائع الإلهيّة وما ورد فيها من الوعيد الشديد .
على أنّه جاز أن يكون المراد بالسُّكْر في قوله تعالى : لا تقربوا الصلاة وأنتم سُكارى سكر النعاس وغلبة النوم ، كما روي عن أبي جعفرٍ الباقر عليه السّلام والضحّاك ، وهو إحدى الروايتين عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنه ۲ .
وكيف ما كان ، فحرمة الخمر ممّا تطابقت عليها الشرائع الحقّة القويمة ، والعقول السليمة ، والفِطَر المستقيمة ، وإذا كان الأمر في الواقع كذلك ، وأمنعتَ فيما ذكرناه لك إمعان المنقِّب الباحث ، تحقّقت كذبَ ما عُزي إلى أشرف الخلق بعد رسول الله صلّى الله عليه و آله من تناوله أمَّ الخبائث ، فالله المستعان على ما يصفون .
(فصل)
والعقل السليم أيضاً قاضٍ بقبح تناول الخمر وتعاطيها؛ لمفاسدها ومضارّها ، فلذلك لم يزل عُقلاء بني آدم ـ من حيث هم عقلاء ـ يجتنبونها أشدّ اجتنابٍ ، فلا يقربونها ولا يحومون حولها .
ولنذكر هنا طرفاً من قبائحها، ونُبَذاً من فعلها الشنيع بشاربها؛ وفضائحها ، ممّا
1.كنز العرفان : ۲/۳۰۵ .
2.روح المعانيّ : ۵/۳۸ ـ جامع البيان : ۵/۶۲ .