123
الهدايا لشيعة ائمة الهدي ج1

قال ثقة الإسلام طاب ثراه:

اِخْتَرَعَ الْأَشْيَاءَ إِنْشَاءً ، وَابْتَدَعَهَا ابْتِدَاءً بِقُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ ، لَا مِنْ شَيْءٍ ؛ فَيَبْطُلَ الاخْتِرَاعُ ، ولَالِعِلَّةٍ ؛ فَلَا يَصِحَّ الْابْتِدَاعُ . خَلَقَ مَاشَاءَ كَيْفَ شَاءَ مُتَوَحِّدا بِذلِكَ ؛ لِاءِظْهَارِ حِكْمَتِهِ ، وَحَقِيقَةِ رُبُوبِيَّتِهِ .
لَا تَضْبِطُهُ الْعُقُولُ ، وَلَا تَبْلُغُهُ الْأَوْهَامُ ، وَلَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ، وَلَا يُحِيطُ بِهِ مِقْدَارٌ . عَجَزَتْ دُونَهُ الْعِبَارَةُ ، وَكَلَّتْ دُونَهُ الْأَبْصَارُ ، وضَلَّ فِيهِ تَصَارِيفُ الصِّفَاتِ .
اِحْتَجَبَ بِغَيْرِ حِجَابٍ مَحْجُوبٍ ، وَاسْتَتَرَ بِغَيْرِ سِتْرٍ مَسْتُورٍ ، عُرِفَ بِغَيْرِ رُؤْيَةٍ ، وَوُصِفَ بِغَيْرِ صُورَةٍ ، وَنُعِتَ بِغَيْرِ جِسْمٍ ، لَا إِلهَ إلَّا هو ۱ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ . ضَلَّتِ الْأَوْهَامُ عَنْ بُلُوغِ كُنْهِهِ ، وَذَهَلَتِ الْعُقُولُ أَنْ تَبْلُغَ غَايَةَ نِهَايَتِهِ ، لَايَبْلُغُهُ حَدُّ وَهْمٍ ، وَلَا يُدْرِكُهُ نَفَاذُ بَصَرٍ ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ .

الهديّة الثانية:

(إنشاء) مفعول مطلق بغير لفظ فعله للتأكيد، أو للنوع وللإشارة إلى معنى فعله، يعني أنشأ وأوجد جميعها على أن يكون الألف واللّام للاستغراق، الاستغراقي الشامل للأفرادي والمجموعي.
وكذا «ابتدأ» و«اخترع» دلالةً على بطلان قول التناسخيّة بقدم نوع العالم وعود أجزاء كلّ عالم بعد إتمام دوره إلى الوضع السابق بعينه ، والصوفيّة القدريّة أيضا لا يستقيم طريقتهم عندهم إلّا بالقول بالتناسخ.
«والأشياء» دلالةً على بطلان مطلق من قال بقدم العالم كزنادقة الفلاسفة ومن تبعهم من الصوفيّة وأهل التناسخ وملاحدة اليهود لعنهم اللّه .
وكذا «ابتدعها» بتأكيدها لسابقها بعد التأكيد بلفظة القدرة والحكمة؛ لدلالتهما على بطلان مطلق القائلين بالإيجاب والمثبتين للاقتضاء، وقد سمعت قول بعض المعاصرين آنفا حيث أنكر حكمة الإيجاد وتدبير الصنع بنسبته التقادير والتدابير إلى استعدادات الماهيّات واقتضاء الطبائع، ونسبة إفاضة الوجود فقط إلى الربّ سبحانه.
وفقرة (لا من شيء) كالتفسير للفقرة الاُولى كتاليها للثانية.
و«الشيء» عبارة عن الحقائق الثابتة قبل الوجود عند الزنادقة، والعلّة عند الاقتضاء، والطلب بألسنة الاستعدادات.
(خلق ما شاء كيف شاء) دلالة على ما دلّت عليه الفقرات السابقة ؛ يعني كيف شاء بحكمته وتدبيره من كيفه وكمّه ووضعه وأينه وأجله وغير ذلك من أحوال الممكنات وأوصافها.
(متوحّدا بذلك) أي بجميع ذلك من دون حاجة إلى شيء من المُعِين والمقتضي والواسطة والآلة وسبب قديم وموجب سهيم، فدالّة مع الدلالة على وحدانيّة وحدته وقدمه وقدرته على ما دلّ عليه ما سبق من الدلالات ومن البراهين القاطعة على بطلان مذاهب هؤلاء المذكورين، بل مذهب كلّ من ليس له مستند من قول الحجّة المعصوم العاقل عن اللّه سبحانه أنّ من له حجّة قاطعة له حجّة على من ليس له ذلك ولا عكس، فمذهب غير القائل بوجود المعصوم الذي لا شكّ لعصمته وامتيازه عن الجميع حسبا ونسبا في حقّيّة قوله وحقّيّة حجّيّته، إمّا قطعيّ البطلان كما عند أهل الحقّ، أو محتمله كما عند غيرنا، فليس لمن لا يعلم حجّة على من يعلم ولا حجّة للجاهل، وهذا قول الصادق عليه السلام لذلك الزنديق المذكور في الحديث الأوّل في كتاب التوحيد. ۲
ومن الحجج القاطعة على وجوب وجود حجّة معصوم عاقل عن اللّه تعالى في مثل هذا النظام العظيم بهذا النسق القويم أنّ الأعلم بهذا قطعا إنّما هو مدبّره ، فانحصر القطع بحقّيّة شيء فيه في إخباره فوجب الواسطة، ووجبت لوجوه شتّى عصمته وامتيازه عن الجميع في جميع المكارم والأخلاق كحسبيّة في الأحساب ونسبيّة في الأنساب.
والقادر على مثل الآثار العجيبة والصنايع الغريبة، قادر على خلق المعصوم لخلاص خلقه من ورطات الحيرة والضلالة بمنّ لطفه العميم وفضل وجوده المعلوم.
(لإظهار حكمته) أي لإظهار أشياء من آثار قدرته على كلّ شيء، وتدبير صنعه المتقن؛ إقامةً لشواهد ربوبيّته.
إنّما قلنا : «الأشياء» لعدم تناهي الآثار .
والمراد ب «حقيقة الربوبيّة» خصوصيّاتها؛ لامتناع المعرفة بالكنه بالاتّفاق، يعني ولإظهار خصوصيّات ربوبيّته بإظهار حججه على خلقه، وإظهارهم إنّما هو لتعريفهم عن اللّه تبارك وتعالى المعرفة الدينيّة، وقد عرفتها في الهديّة الاُولى.
(لا تضبطه العقول) بالإحاطة (ولا تبلغه الأوهام) بالجدّ والسعي.
(ولا تدركه الأبصار) بالحدّة لا أبصار العيون، ولا عيون القلوب «ولا تدركه الأبصار» مفسّرة في الحديث ـ وسيجيء في كتاب التوحيد في الباب التاسع باب إبطال الرؤية ۳ ـ بأبصار القلوب والرؤية بحقيقة الإيمان، ليس دركها متعلّقا بالكنه.
(ولا يحيط به مقدار) كيف!؟ وهو خالق المقادير ومقدّرها.
(عجزت دونه العبارة) أي دون وصفه وشأنه كما يليق بشأنه تعالى شأنه، وقد قال خاتم الأنبياء والمرسلين وسيّدهم صلّى اللّه عليه وآله وعليهم أجمعين: «لا اُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك». ۴
(وكلّت دونه الأبصار) : دون دركه ومعرفته.
(وضلَّ فيه تصاريف الصفات) أي الصفات المتغيّرة بكونها زائدة.
(احتجب بغير حجاب محجوب) لها معان:
فعلى إضافة الحجاب إمّا المعنى: امتنعت رؤيته مع عدم حجاب شيء محدود بالمحجوبيّة، أو: امتنعت بحجاب ذلك الامتناع لا بالحجاب الموصوف، أو: امتنعت بحجاب غير المحجوب بالحجاب ، أو لا بحجاب يمكن أن يكون حجابا لما يمكن أن يكون محجوبا .
وأمّا على التوصيف فالمعنى: احتجب بلا حجاب محدود، أو بحجاب غير محدود، أو غير مستور، وكذا الفقرة التالية.
و«الستر» بالكسر الحجاب، وبالفتح مصدر ستره كنصر.
(عرف بغير رؤية) بل بآثار القدرة والتدبير معرفة فطريّة، وبالحجج المعصومين صلوات اللّه عليهم معرفة دينيّة.
(ووصف بغير صورة) لامتناع المحدوديّة.
(ونعت بغير جسم) لذلك؛ ولامتناع الحدوث.
في بعض النسخ : «لا إله إلّا اللّه الكبير المتعال» بلفظة الجلالة مكان «هو».
(ضلّت الأوهام عن بلوغ كنهه) وَهْمَ أيِّ فهمٍ كان، ودركُ أيّ عقلٍ كان.
و«الذّهول» مصدر باب منع: الغفلة والنسيان عن الشيء باليأس منه.
في بعض النسخ : «عن أن تبلغ» بزيادة «عن» يعني كنه حقيقته.
(لا يبلغه حدّ وهم) أي قوّته وحِدَّته. و(نفاذ بصر) بالفتح في بعض النسخ.
(وهو السميع العليم).
قال برهان الفضلاء:
هذه العبارات ستنقل عن الرضا عليه السلام بتفاوت يسير في أوّلها في الثالث من الباب الحادي عشر في كتاب التوحيد ۵ .
و«الاختراع والإنشاء»: خلق الشيء بلا مادّة قديمة.
و«الابتداع والابتداء»: فعل شيء لم يفعل فاعله قبله فعلاً مثله.
«بقدرته» ناظر إلى «اخترع»؛ للإشارة إلى الفرق بين قدرة الخالق وقدرة المخلوق بأنّ فعل قدرة المخلوق لنقصها موقوف على مادّة سابقة بخلاف قدرة الخالق.
و«حكمته» ناظر إلى «ابتدعها»؛ إبطالاً لخيال القائلين بأنّ قبل حدوث العالم لولا يكون فعل للزم التعطيل.
«لا من شيء» ناظر إلى «اخترع» و«لا لعلّة» إلى «ابتدعها».
فإذا قرئ «لعلّة» بكسر العين وبمعنى السبب ف «لا من شيء» إبطال لما ذهب إليه طائفة من المشّائين من الفلاسفة من أنّ كلّ حادثٍ مسبوق بمادّة قديمة، و«لا لعلّة» إبطال لما ذهب إليه طائفة الإشراقيّين منهم من أنّ كلّ حادث مسبوق بحدوث آخر وهو شرطه .
وإذا قرى ء بفتح العين بمعنى شرب واحد بعد شرب آخر، وهنا بمعنى العود إلى الإيجاد بعد الإيجاد والإفناء ف « لا من شيء» إبطال لمذهب المشائين وقد ذكر، و«لا لعلّة» لمذهب الإشراقيّين وسيذكر في كتاب التوحيد في شرح كلام المصنّف لتوضيح الأوّل من باب جوامع التوحيد، وهو الباب الثاني والعشرون، واللّام في «لعلّة» على هذا توقيتيّة، أو سببيّة.
و«الحقيقة» ضدّ المجاز. والمراد هنا الخالص، يعني ولإظهار ربوبيّته على الحقيقة.
و«التصاريف» أقسام الشيء.
و«الصفات» جمع الصفة، بمعنى التشبيه.
و«الحجاب» البوّاب، والحاجز بين الشيئين، يعني احتجب بغير حجاب يكون له حجاب آخر، فقياسه على المخلوق باطل؛ إذ الملوك من الخلق يكون كثرة احتجابهم بكثرة الحُجّاب ۶ والحِجاب .
والمراد ب «الصورة» الجسد المجوّف كما للآدمي.
وقال السيّد الأجل النائيني رحمه الله:
الاختراع والابتداع متقاربان في المعنى، وكثر استعمال «الاختراع» في الإيجاد لا بأخذ شيء مماثل الوجود ومشابهه. و«الابتداع» في الإيجاد لا لمادّة وعلّة.
«لا من شيء» أي لا بالأخذ من شيء فيبطل الاختراع و«لا لعلّة» أي لمادّة وعلّة، فيبطل الابتداع.
«لا تضبطه العقول» أي تبلغ العقول إدراكه بنحو قاصر عن الإحاطة به وضبطه، فهو غير محدود وغير منضبط الحقيقة، ولكنّه مصدّق لوجوده منفيّا عنه جميع ما يحيط به العقول والأفهام «ولا تبلغه الأوهام»؛ حيث يتعالى من أن يحسّ به، «ولا تدركه الأبصار»؛ حيث لا صورة له ولا مثال، ولا يتشكّل بشكل، ولا يحاط بحدّ، ولا يتقدّر بمقدار. «احتجب بغير حجاب محجوب، واستتر بغير ستر مستور» ؛ المحجوب والمستور إمّا بمعنى الحاجب والساتر، والحجاب حاجب والستر ساتر.
وإمّا بمعنى المفعول؛ فإنّ الحجاب والستر إذا لم يكن مستور الباطن ومحجوبه لم يكن حاجبا ساترا. ۷
وقال السيّد السند أمير حسن القائني رحمه الله: «محجوب» أي جسمانيّ.
في بعض النسخ : «وهو السميع البصير».

1.في الكافي المطبوع : «إلاّ اللّه ».

2.الكافي، ج ۱، ص ۷۲، باب حدوث العالم وإثبات المحدث، ح ۱.

3.الكافي، ج ۱، ص ۹۵، باب في إبطال الرؤية.

4.مصباح الشريعة، ص ۵۵ ، الباب ۲۴؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ۱، ص ۵۹ ، ذيل الخطبة ۱؛ مستدرك الوسائل، ج ۴، ص ۲۳۱، ح ۴۷۸۴.

5.الكافي، ج ۱، ص ۱۰۵، باب النهي عن الجسم والصلاة، ح ۳.

6.جمع حاجب.

7.الحاشية على اُصول الكافي، ص ۳۲ ـ ۳۳.


الهدايا لشيعة ائمة الهدي ج1
122
  • نام منبع :
    الهدايا لشيعة ائمة الهدي ج1
    سایر پدیدآورندگان :
    تحقیق : الدرایتی، محمد حسین ؛ القیصریه ها، غلام حسین
    تعداد جلد :
    2
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388 ش
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 130969
صفحه از 644
پرینت  ارسال به