الحديث الثاني
۰.روى في الكافي عن عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ سَهْلِ۱بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ مُفَضَّلِ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ ، عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام ، قَالَ :«هَبَطَ جَبْرَئِيلُ عليه السلام عَلى آدَمَ عليه السلام ، فَقَالَ : يَا آدَمُ ، إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أُخَيِّرَكَ وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ ، فَاخْتَرْهَا وَ دَعِ اثْنَتَيْنِ ، فَقَالَ لَهُ آدَمُ عليه السلام : يَا جَبْرَئِيلُ ، وَمَا الثَّلَاثُ؟ فَقَالَ : الْعَقْلُ ، وَالْحَيَاءُ ، وَالدِّينُ ، فَقَالَ آدَمُ عليه السلام : إِنِّي قَدِ اخْتَرْتُ الْعَقْلَ ، فَقَالَ جَبْرَئِيلُ عليه السلام لِلْحَيَاءِ وَالدِّينِ : انْصَرِفَا وَدَعَاهُ ، فَقَالَا : يَا جَبْرَئِيلُ ، إِنَّا أُمِرْنَا أَنْ نَكُونَ مَعَ الْعَقْلِ حَيْثُ كَانَ ، قَالَ : فَشَأْنَكُمَا ، وَعَرَجَ» .
الهديّة الرابعة عشرة:
هذا الخبر رواه الصدوق أيضا في الفقيه في أواخر باب نوادر الكتاب عن أبي جميلة مفضّل بن صالح، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ، عن أمير المؤمنين عليه السلام ۲ .
وعليّ بن محمّد هذا هو أبو الحسن بن محمّد بن إبراهيم بن أبان الرازي الكليني المعروف ب «علّان»؛ ثقةٌ عينٌ.
(واحدةٌ) أي في خصلةٍ واحدةٍ من خصالٍ ثلاث.
و«الشأن»: الأمر والحال. (فشأنكما) نصب على المفعوليّة.
وفي الصحاح: الشأن شأنك، أي اعمل ما تحسنه ۳ .
(عرج) فيه وبه، ـ كنصر ـ : ارتقى.
ولا شكّ أنّ المعرفة الدينيّة شأن العقل، وأنّها لا تحصل إلّا بإخبار الحجّة المعصوم العاقل عن اللّه . والقطع بحقّيّة شيء مختلف فيه ۴ ، منحصر فيما أخبر هو به؛ لانحصار الأعلميّة فيمن هو عاقل عنه ۵ . ولا أعلم بالاتّفاق بنظام الأنفس والآفاق ۶ من مدبّره الحكيم تعالى شأنه، فلا معرفة إلّا للمعصوم العاقل عنه ۷ المحصور عدده بالحكمة البالغة ومن تبعه، وقد قال اللّه تبارك وتعالى لنبيّنا صلى الله عليه و آله : «وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّه ِ عَلَيْكَ عَظِيما»۸ .
فالحديث ردّ على غير الناجية من البِضْع والسبعين، لا سيّما على الصوفيّة القدريّة؛ لقولهم بأنّ المعرفة الحقيقيّة ۹ إنّما تحصل لكلّ أحد بالمكاشفات الحاصلة من الرياضات ۱۰ ، لا بما أخبر به المعصوم العاقل عن العالم بالسرّ والخفيّات.
وقال برهان الفضلاء:
المراد بالحياء هنا عدم التجاوز عن الحدّ بالحكم رأيا وظنّا وقياسا فيما يجري الاختلاف فيه وفي دليله بلا مكابرة، أو بادّعاء المكاشفة كالصوفيّة، قال اللّه تعالى في سورة الزمر: «قُلْ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ» . ۱۱
وقال السيّد الأجلّ النائيني رحمه الله:
الظاهر أنّ آدم عليه السلام حين هبوط جبرئيل عليه السلام كان ذا عقل وحياء ودين، والأمر باختيار واحدة من ثلاث لا ينافي حصولها. وقول جبرئيل عليه السلام للحياء والدِّين بعد اختيار العقل : «انصرفا» لإظهار ملازمتهما للعقل بقولهما ۱۲ : «إنّا اُمرنا أن نكون مع العقل». ولعلّ الغرض من ذلك أن يتنبّه آدم عليه السلام لعظمة ۱۳ نعمة العقل، ويشكر اللّه على إنعامه. ۱۴
1.في الكافي المطبوع: «سهل بن زياد».
2.الفقيه، ج ۴، ص ۴۱۶، ح ۵۹۰۶.
3.الصحاح، ج ۵ ، ص ۲۱۴۲ (شأن).
4.في «ج»: - «مختلف فيه».
5.في «ج»: - «لانحصار الأعلميّة فيمن هو عاقل عنه».
6.في «ج»: «بهذا» بدل «بالاتّفاق بنظام الأنفس و الآفاق».
7.في «ج»: - «العاقل عنه».
8.النساء (۴): ۱۱۳.
9.في «ج»: - «الحقيقيّة».
10.في «ب»: من غير الرياضات.
11.الزمر (۳۹): ۴۶.
12.ما أثبتناه من المصدر و هامش «الف». وفي «الف» و «ب»: لقولهما.
13.في المصدر : «بعظم».
14.الحاشية على اُصول الكافي، ص ۴۵.