107
البضاعة المزجاة المجلد الأول

وقوله: (فقد أقرّ بالحجّة على نفسه) جواب الشرط، وعلى الأوّل فهو متفرّع على الجزاء.
وقيل في توجيه الإقرار على نفسه: إنّ القول بعدم جواز الأخذ بالرأي في حياة محمّد صلى الله عليه و آله على خلاف أمره يستلزم القول بعدم جوازه بعد موته، وهو ظاهر لا ينكره إلّا كافر، وإبداء الفرق بينهما أنّه صلى الله عليه و آله كان مجتهداً، وأنّ قول الميّت كالميّت يوجب بطلان دينه بعده بالمرّة، ولا يقدم على التزامه إلّا ملحد.
ووجه آخر هو أنّ الدين واحد، والتكليف واحد، لا يختلف في حياته وبعد موته، فلا يجوز التمسّك بالرأي والقياس بعد موته خلافاً لأمره، كما لا يجوز ذلك في حياته. ۱
وقرّره بعض الأفاضل بوجه آخر، وقال:
الظاهر أنّ هذا احتجاج عليهم بأنّكم لا تجوّزون الاستبداد بالرأي ومخالفة الرسول صلى الله عليه و آله في حياته؛ لأنّ هذا كفر بيّن، ومخالفة للآيات الصريحة، فلابدّ أن تقولوا بعدم جواز ذلك في حياته، وإذا اعترفوا بذلك يلزمهم أن لا يجوز ذلك بعد وفاته صلى الله عليه و آله ؛ لما يظهر من الآية أنّه لا يجوز ترك ما اُخذ به في حياته صلى الله عليه و آله ، وأنّ ترك ذلك ارتداد عن الدين وانقلاب عن الحقّ. ۲
فقوله عليه السلام : (وهو ممّن يزعم أنّ اللّه يُطاع ويُتّبع أمره بعد قبضِ رسول اللّه صلى الله عليه و آله ) أي يلزمه ذلك بما أقرّ به، وإن لم يكن مذهباً له، ويصير ممّن يزعم ذلك للإقرار بملزومه هذا.
والظاهر أنّ الجملة حال عن فاعل «أقرّ»، والحاصل أنّه عليه السلام بيّن أنّه لا فرق بين زمان حياته صلى الله عليه و آله وبعد موته في عدم جواز العمل بالرأي والقياس كما لا فرق بينهما في وجوب طاعة اللّه واتّباع أمره.
(وقد قال اللّه) في سورة آل عمران.
(وقوله الحقّ) جملة حاليّة، أو معترضة.
( «وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَا رَسُولٌ» ) لا يجاوز الرسالة إلى التبرّي من الموت أو القتل.
( «قَدْ خَلَتْ» ) . قال الجوهري: «قوله تعالى: «وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ»۳ أي مضى وأرسل» ۴ .

1.القائل هو المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه، ج ۱۱، ص ۱۵۷.

2.قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول، ج ۲۵، ص ۱۴.

3.فاطر (۳۵): ۲۴.

4.الصحاح، ج ۶، ص ۲۳۳۰ (خلو).


البضاعة المزجاة المجلد الأول
106

وقوله: (أعداءُ اللّه) بدل عن «اُولئك» وفائدته التصريح بأنّهم خرجوا بذلك عن الدين، فصاروا من أعداء اللّه المعاندين.
وقيل: توضيح المقام يحتاج إلى تقديم مقدّمة هي أنّ قول الرسول صلى الله عليه و آله قول اللّه تعالى، وأنّ متابعته واجبة، وأنّ وجوبها غير مقيّد بحياته، وأنّ الأخذ بالرأي على خلافه [في حياته ]غير جائز، وكلّ ذلك أمر بيّن لا ينكره أحد إلّا من خرج عن دين الإسلام وأنكر الرسالة، وليس الكلام معه. ۱
وقوله: (أن يزعُموا) .
الزعم مثلّثة: القول الحقّ والباطل والكذب ضدّ، وأكثر ما يقال فيما يشكّ فيه. وقيل: هو الظنّ، ويطلق غالباً على ما لا أصل ولا مستند له. ۲ وفعله من باب نصر.
وقوله: (فإن قال: نعم) أي إن قال قائل منهم: نعم يجوز ذلك.
قيل: الظاهر «قالوا»: عدل إلى الإفراد للتنبيه على أنّ اعتباره أولى من الجميع في مقام النصح، كما قال تعالى: «قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ»۳ الآية» ۴ انتهى، فتأمّل فيه.
(فقد كذب على اللّه) لما ذكر من المقدّمات.
( «وضَلَّ ضَلَالاً بَعيِداً» ) ۵ .
قيل: اُكّد الفعل بالمصدر، والمصدر بالبُعد المفرط للمبالغة في خروجه بذلك عن حدّ الإسلام، كما خرج الثاني بإنكار صلح الحديبيّة، وإنكار عدول المُفرد إلى التمتّع، وإنكار الأمر بإحضار الدوات والقلم. ۶
(وإن قال: لا، لم يكن) أي فقد ثبت باعترافه أنّه لا يجوز، ولم يكن (لأحد أن يأخذ برأيه وهواه ومقاييسه) فيكون «لم يكن» جزاء الشرط.
ويحتمل أن يكون بدلاً من قوله: «لا يكون».

1.القائل هو المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه، ج ۱۱، ص ۱۵۶.

2.سبأ (۳۴): ۴۶.

3.القائل هو المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه، ج ۱۱، ص ۱۵۷.

4.آل عمران (۳): ۱۴۴.

  • نام منبع :
    البضاعة المزجاة المجلد الأول
    سایر پدیدآورندگان :
    تحقیق : احمدی جلفایی، حمید
    تعداد جلد :
    3
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388 ش
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 124191
صفحه از 630
پرینت  ارسال به