وقوله: (فقد أقرّ بالحجّة على نفسه) جواب الشرط، وعلى الأوّل فهو متفرّع على الجزاء.
وقيل في توجيه الإقرار على نفسه: إنّ القول بعدم جواز الأخذ بالرأي في حياة محمّد صلى الله عليه و آله على خلاف أمره يستلزم القول بعدم جوازه بعد موته، وهو ظاهر لا ينكره إلّا كافر، وإبداء الفرق بينهما أنّه صلى الله عليه و آله كان مجتهداً، وأنّ قول الميّت كالميّت يوجب بطلان دينه بعده بالمرّة، ولا يقدم على التزامه إلّا ملحد.
ووجه آخر هو أنّ الدين واحد، والتكليف واحد، لا يختلف في حياته وبعد موته، فلا يجوز التمسّك بالرأي والقياس بعد موته خلافاً لأمره، كما لا يجوز ذلك في حياته. ۱
وقرّره بعض الأفاضل بوجه آخر، وقال:
الظاهر أنّ هذا احتجاج عليهم بأنّكم لا تجوّزون الاستبداد بالرأي ومخالفة الرسول صلى الله عليه و آله في حياته؛ لأنّ هذا كفر بيّن، ومخالفة للآيات الصريحة، فلابدّ أن تقولوا بعدم جواز ذلك في حياته، وإذا اعترفوا بذلك يلزمهم أن لا يجوز ذلك بعد وفاته صلى الله عليه و آله ؛ لما يظهر من الآية أنّه لا يجوز ترك ما اُخذ به في حياته صلى الله عليه و آله ، وأنّ ترك ذلك ارتداد عن الدين وانقلاب عن الحقّ. ۲
فقوله عليه السلام : (وهو ممّن يزعم أنّ اللّه يُطاع ويُتّبع أمره بعد قبضِ رسول اللّه صلى الله عليه و آله ) أي يلزمه ذلك بما أقرّ به، وإن لم يكن مذهباً له، ويصير ممّن يزعم ذلك للإقرار بملزومه هذا.
والظاهر أنّ الجملة حال عن فاعل «أقرّ»، والحاصل أنّه عليه السلام بيّن أنّه لا فرق بين زمان حياته صلى الله عليه و آله وبعد موته في عدم جواز العمل بالرأي والقياس كما لا فرق بينهما في وجوب طاعة اللّه واتّباع أمره.
(وقد قال اللّه) في سورة آل عمران.
(وقوله الحقّ) جملة حاليّة، أو معترضة.
( «وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَا رَسُولٌ» ) لا يجاوز الرسالة إلى التبرّي من الموت أو القتل.
( «قَدْ خَلَتْ» ) . قال الجوهري: «قوله تعالى: «وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ»۳ أي مضى وأرسل» ۴ .
1.القائل هو المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه، ج ۱۱، ص ۱۵۷.
2.قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول، ج ۲۵، ص ۱۴.
3.فاطر (۳۵): ۲۴.
4.الصحاح، ج ۶، ص ۲۳۳۰ (خلو).