111
البضاعة المزجاة المجلد الأول

أمّا الخير الدنيوي فقد يدركه الكافر أيضاً، والخير الاُخروي قد يدرك بالتفضّل أيضاً، لكن منشأه الطاعة.
(واجتناب محارمه الّتي حرّم اللّه في ظاهر القرآن وباطنه) .
كأنّ المراد بالظاهر ما ظهر تأويله، وعُرف معناه، وبالباطن ما بطن تفسيره وخفي، ولا يعلمه إلّا الراسخون في العلم.
(فإنّ اللّه تبارك وتعالى قال في كتابه) في سوره الأنعام (وقوله الحقّ: «وَذَرُوا ظَاهِرَ الْاءِثْمِ وَبَاطِنَهُ» ) . ۱
قال البيضاوي: «أي ما يعلن ويسرّ، أو ما بالجوارح، وما بالقلب. وقيل: الزنا في الحَوانيت واتّخاذ الأخدان». ۲
وأقول: دلّ استشهاده عليه السلام أنّ ظاهر الإثم ما ظهر تحريمه من ظاهر القرآن، وباطنه ما ظهر تحريمه من باطنه، ولكن يظهر من آثار أهل البيت عليهم السلام أنّ المراد بالمحرّمات الباطنة ولاية أئمّة الجور.
روى المصنّف رحمه الله في باب من ادّعى الإمامة وليس لها بأهل، بإسناده عن محمّد بن منصور، قال: سألت عبداً صالحاً عليه السلام عن قول اللّه عزّ وجلّ: «قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ»۳ ، قال: فقال: «إنّ القرآن له ظَهر وبطن، فجميع ما حرّم اللّه تعالى في القرآن هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمّة الجور؛ وجميع ما أحلّ اللّه تعالى في الكتاب هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمّة الحقّ» ۴ انتهى.
واعلم أنّه وقع في كثير من نسخ الكتاب: «فاجتنبوا ظاهر الإثم وباطنه»، فهو إمّا نقل مضمون الآية، أو في قرائتهم عليهم السلام كان كذلك.
(واعلموا أنّ ما أمر اللّه أن تجتنبوه فقد حرّمه) .
دلّ ظاهراً على أنّ أوامر القرآن للوجوب، سيّما ما وقع بلفظ الاجتناب، وأنّ نواهيه

1.الأنعام (۶): ۱۲۰.

2.تفسير البيضاوي، ج ۲، ص ۴۴۷.

3.الأعراف (۷): ۳۳.

4.الكافي، ج ۱، ص ۳۷۴، باب من ادّعى الإمامة وليس لها بأهل، ح ۱۰. وقال المحقّق الفيض رحمه الله في الوافي، ج ۲۶، ص ۱۱۲: «لعلّ المراد بما حرّم اللّه تعالى في باطن القرآن مخالفة وليّ الأمر ومتابعة أهل الضلال واتّباع آرائهم واعتقاد الولاية فيهم، وذلك لأنّ ثلث القرآن ورد فيهم، كما ورد عنهم عليهم السلام ، وهو المراد بباطن الإثم، أو هو أحد أفراده».


البضاعة المزجاة المجلد الأول
110

روى المصنّف رحمه الله بإسناده عن أبي عبد اللّه عليه السلام ، قال:
ما من شيء إلّا وله حدّ يَنتهي إليه إلّا الذكر، فليس له حدّ ينتهي إليه، فرض اللّه ـ عزّ وجلّ ـ الفرائض، فمن أدّاهنّ فهو حدّهنّ، وشهرَ رمضان فمن صامه فهو حدّه، والحجّ فمن حجّ فهو حدّه، إلّا الذكر؛ فإنّ اللّه ـ عزّ وجلّ ـ لم يرضَ منه بالقليل، ولم يجعل له حدّاً ينتهي إليه. الحديث. ۱
(فإنّ اللّه أمر بكثرة الذكر له) بقوله: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللّهَ ذِكْراً كَثِيراً»۲ وغيره من الآيات.
والمراد بالذكر هنا ذكره باللسان والجَنان، ۳ وعند حضور الطاعة والمعصية وغيرهما من الأحوال.
(واللّه ذاكر لمن ذكره من المؤمنين) .
لعلّ المراد أنّه تعالى يعامله معاملة الذاكر دون معاملة الناسي، أو ذاكر له في الملأ الأعلى بخير، أو مثيب له سمّي ثواب الذكر ذكراً لوقوعه في صحبته.
(واعلموا أنّ اللّه لم يذكره أحد من عباده المؤمنين إلّا ذكره اللّه ـ عزّ وجلّ ۴ ـ بخير) .
في بعض النسخ: «بخيره» مع الضمير. ۵ ويمكن أن يراد بالخير ما ذكرناه في ذاكر.
(فأعطوا اللّه من أنفسكم الاجتهاد في طاعته) .
قيل: الطاعة شاملة للذكر وغيره، بل كلّ طاعة ذكر، كما يرشد إليه قوله تعالى: «أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي»۶ . ۷
ثمّ رغّب فيها بقوله: (فإنّ اللّه لا يُدرك) البناء للمفعول (شيء من الخير) الاُخروي استحقاقاً (إلّا بطاعته).

1.الكافي، ج ۲، ص ۴۹۸، باب ذكر اللّه عزّ وجلّ كثيراً، ح ۱.

2.الأحزاب (۳۳): ۴۱.

3.«الجَنان»: القَلب، من الاجتنان بمعنى الاستتار؛ لاستتاره في الصدر. وقيل: لوعَيه الأشياء وجمعه لها. راجع: كتاب العين، ج ۶، ص ۲۱؛ لسان العرب، ج ۱۳، ص ۹۲ (جنن).

4.في الطبعتين للكافي: - «اللّه عزّ وجلّ».

5.هكذا ضبطه العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول، ج ۲۵، ص ۱۵، ثمّ قال: «أي يقرّر ويعدله ثواب ذلك، أو يذكره في الملأ الأعلى ويثني عليه ويشكره».

6.طه (۲۰): ۱۴.

7.قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه، ج ۱۱، ص ۱۵۹.

  • نام منبع :
    البضاعة المزجاة المجلد الأول
    سایر پدیدآورندگان :
    تحقیق : احمدی جلفایی، حمید
    تعداد جلد :
    3
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388 ش
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 124170
صفحه از 630
پرینت  ارسال به