113
البضاعة المزجاة المجلد الأول

وقوله: «فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ»۱ ، والمعنى: فليحسن كلّ منكم إلى أخيه؛ فإنّ من أحسن إلى غيره فقد أحسن لنفسه. ۲ انتهى .
وهو كما ترى.
ثمّ أراد عليه السلام أن يبيّن ثمرة الإحسان إلى النفس، وأن يرغّب في فعله وفي ترك ضدّه، فقال: «فَإِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ» ؛ لأنّ ثوابه ونفعه لها، «وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا»۳ ، فإنّ وبالها عليها.
قيل: اللام بمعنى على، وإنّما ذكرها ازدواجاً. ۴
(وجامِلوا الناس) بالجيم، أو بالحاء المهملة كما مرّ.
(ولا تَحملوهم) بتشديد الميم، وتخفيفها احتمال.
(على رقابكم) .
فيه إشارة إلى حسن المعاشرة معهم ظاهراً. ۵
وقوله: (تَجمعوا) جواب الأمر والنهي.
وقوله: (مع ذلك) إشارة إلى الأمر المستفاد من الكلام السابق، أي إذا جاملتم الناس جمعتم مع الأمن من إضرار الناس وإيذائهم.
(طاعة ربّكم) .
لعلّ المراد بها التقيّة، أو ما يعمّ سائر الطاعات.
ويحتمل قراءة قوله: «تجمعوا» بالتخفيف والتشديد. قال الفيروزآبادي: «الجمع: تأليف المتفرّق، والتجميع مبالغة الجمع». ۶
وفي بعض النسخ: «تجمعون»، فالظاهر أنّه حينئذ حال عن ضميري الخطاب، أي اجمعوا طاعة اللّه مع المجاملة بأن تعاشروهم ظاهراً ولا تتابعوهم في المعاصي، بل تعملوا

1.الإسراء (۱۷): ۷.

2.النور (۲۴): ۶۱.

3.قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول، ج ۲۵، ص ۱۶.

4.قاله البيضاوي في تفسيره، ج ۳، ص ۴۳۳.

5.قال المازندراني رحمه الله في شرحه، ج ۱۱، ص ۱۶۱: «ولابدّ منه؛ فإنّ النفوس العاصية المطيعة لإبليس وجنوده إن وقع الافتراق منهم بالمرّة، أو وقع المخالطة معهم على وجه الشقاق وإظهار العداوة وثبوا لما فيهم من الغواية والضلالة والغلظة وخشونة الوجه وقلّة الحياء إلى الأذى والضرب والشتم والقتل والنهب، والمعاشرة على هذا الوجه فرد من الطاعة مضافاً إلى طاعة الربّ ظاهراً وباطناً، وبه يتمّ نظام الدين والدنيا جميعاً».

6.القاموس المحيط، ج ۳، ص ۱۵ (جمع) مع التلخيص.


البضاعة المزجاة المجلد الأول
112

للحرمة، إلّا ما أخرجه الدليل، وتخصيص الأمر بما وقع بصيغة «اجتنبوا» بعيد، وكذا حمل التحريم على الأعمّ من تحريم المصطلح والتنزيه.
وقيل: يمكن أن يراد بالأمر الأمر باجتناب الطاغوت.
(واتّبِعوا آثار رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسنّته) .
لعلّ العطف للتفسير، أو يراد بالآثار الأخبار، وبالسنّة السيرة والطريقة، وأصل الأثر بالتحريك: بقيّة الشيء، ولا يبعد أن يراد بآثاره صلى الله عليه و آله أعلامه المنصوبة للهدى من أوصيائه وحججه صلوات اللّه عليهم.
(فخذوا بها) أي بتلك الآثار والسنّة.
(ولا تتّبعوا) في شيء من اُمور الدين والدنيا (أهوائكم وآراءكم) ـ في بعض النسخ: «ورأيكم» ـ (فتضلّوا عن الحقّ).
وقوله عليه السلام : (فإنّ أضلّ الناس عند اللّه من اتّبع هواه ورأيَه بغير هدًى من اللّه) تعليل للنهي من اتّباع الأهواء والآراء، أو لما يترتّب عليه من الضلال، والظرف حال عن فاعل «اتّبع»، أي متمسّكاً بغير هاد منصوب من قبل اللّه.
روى المصنّف في باب من دان اللّه بغير إمام من اللّه، بإسناده عن أبي الحسن عليه السلام في قول اللّه عزّ وجلّ: «وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدٍى مِنَ اللّهِ» ، ۱
قال: «يعني من اتّخذ دينَه رأيَه بغير إمام من أئمّة الهدى». ۲
(وأحسنوا إلى أنفسكم ما استطعتم) .
قيل: المراد بالإحسان إليها الإتيان بما ينفعها يوم القيامة، وتهذيب الظاهر والباطن عن الأخلاق والأعمال الفاسدة، وتزيينها بالأعمال والأخلاق الفاضلة. ۳
وقيل: يحتمل أن يراد الإحسان إلى الغير، كما قيل في قوله تعالى: «وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ»۴ ،

1.القصص (۲۸): ۵۰.

2.الكافي، ج ۱، ص ۳۷۴، باب من دان اللّه ـ عزّ وجلّ ـ بغير إمام من اللّه، ح ۱.

3.القائل هو المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه، ج ۱۱، ص ۱۶۰، واستظهره العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول، ج۲۵، ص۱۵.

4.النساء (۴): ۲۹.

  • نام منبع :
    البضاعة المزجاة المجلد الأول
    سایر پدیدآورندگان :
    تحقیق : احمدی جلفایی، حمید
    تعداد جلد :
    3
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388 ش
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 124168
صفحه از 630
پرینت  ارسال به