289
البضاعة المزجاة المجلد الأول

وفيه ترغيب في الصبر، «والصبر مفتاح الفرج» ۱ . انتهى.ويحتمل أن يكون المراد سرعة تقلّب أحوال الدنيا . أو يراد لا عليكم أن تتعبوا أنفسكم بترك المعاصي في أيّام قلائل سريعة الذهاب لراحة طويلة قريبة منكم؛ فإنّ التعب والشدّة في ترك المعاصي ليسا بشديد إذا أوجب الجنّة وراحتها ، ولذّة المعاصي لا خير فيها إذا أوجبت دخول النار وشدائدها.(والبؤسَ من ۲ النعيم) عطف على الراحة والتعب. قال الفيروزآبادي: «بئس ـ كسمع ـ بؤساً وبؤوسا وبَئيساً : اشتدّت حاجته» . ۳ وقال: «النعيم: الخَفض والدعة والمال، كالنعمة بالكسر». ۴
وهذا كالسابق فيما ذكر من الاحتمال.(وما شرّ بشرّ بعده الجنّة، وما خير بخير بعده النار) .
الظاهر أنّ المراد بالشرّ شرّ الدنيا وما تستكرهه النفس فيها، وبالخير ما يكون مرغوباً عند النفس من زخارفها وزينتها، وكلاهما في معرض الفناء، فلا يضرّ الأوّل إذا كان بعده الجنّة، ولا ينفع الثاني إذا كان بعده النار.(وكلّ نعيم دون الجنّة محقور، وكلّ بلاء دون النار عافية) .
«دون» في الموضعين بمعنى غير أو عند، أي كلّ نعيم غير الجنّة ، أو عندها ، أو بالنسبة إليها .وكذا في الفقرة الثانية ؛ وذلك لصغر نعيم الدنيا وبلائها ، مع سرعة زوالها وفنائها ، وعظم نعيم الجنّة وألم النار مع دوامها.
(وعند تصحيح الضمائر تُبدو الكبائر) .في القاموس: «الضمير: السرّ ، وداخل الخاطر ، الجمع: ضمائر» ۵ . وكأنّه إشارة إلى عظم رتبة الإخلاص وعزّتها ، وقلّة من يبلغها.والمراد بالكبائر الاُمور العظام ، والأسرار الخفيّة التي يختصّ بدوّها وظهورها بالأولياء

1.في الحاشية عن بعض النسخ: «في».

2.راجع : بحار الأنوار ، ج ۶۸ ، ص ۷۴ ؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج ۲۰ ، ص ۳۰۷ .

3.القاموس المحيط ، ج ۲ ، ص ۱۹۹ (بأس) .

4.القاموس المحيط ، ج ۴ ، ص ۱۸۱ (نعم) .

5.القاموس المحيط ، ج ۲ ، ص ۷۶ (ضمر) .


البضاعة المزجاة المجلد الأول
288

وقف عليها بالهاء، فيقول: هيهاه، ومن نصبها وقف بالتاء ، وإن شاء بالهاء.وقال الأخفش: يجوز في هيهات أن يكون جماعة، فتكون التاء التي فيها تاء الجمع التي للتأنيث . ۱
وقيل: معناه هنا: بَعُدَ عملكم بالآخرة وعظمة فاقتها ، وحقارة مصائب الدنيا بالنسبة إليها، أو بعد نسبة هذه المصائب إليها؛ إذ لا نسبة بين سريع الانقطاع وأبديّ البقاء. ۲ (وما تناكرتم إلّا لما فيكم من المعاصي والذنوب) .
المعصية: خلاف الطاعة. والذنب: الجرم. والعطف للتفسير . أو يراد بالذنوب الأخلاق الذميمة المتعلّقة بالقلب ، كالحقد والحسد وحبّ الرياسة والمال، وبالمعاصي ما يتعلّق بالجوارح.قال الجوهري: «التناكر: التجاهل». ۳
وفي القاموس: «تناكر: تجاهل، والقوم: تعادوا، وتناكره: جهله». ۴ ولعلّ المراد بالتناكر هنا الجهل بالحقّ، أو التجاهل به . أو المراد ما ينكر بعضكم بعضاً، ولا يباغضه إلّا لأنّكم تعصون اللّه، وذلك لأنّكم لو كنتم برآء من الذنوب لكنتم جميعاً على مسلك واحد، فتعارفتم عليه، وائتلفتم به؛ إذ لا منازعة في الحقّ والطاعات.وقيل في شرح هذا الكلام:
أي ما تجاهلتم في أمر الدين ، وترك قوانينه ، وطلب ما ينجيكم من فاقة الآخرة إلّا للمعاصي والذنوب المسوّدة لقلوبكم ، المانعة من طلب الآخرة وترك الدنيا، ولو لم يكونا كانت قلوبكم منوّرة، وجوارحكم مطهّرة، ورأيتم الآخرة بعين اليقين، واشتغلتم بأمر الدين ۵ . انتهى.ومآله من التوجيه وما ذكرناه أوّلاً واحد.
(فما أقرب الراحة من التعب) فيها ، أي راحة الآخرة من تعب الدنيا، أي بالعكس، أو كلاهما في الدنيا كما قال تعالى: «إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً» . ۶

1.قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج ۱۱ ، ص ۲۳۷ .

2.الصحاح ، ج ۶ ، ص ۲۲۵۸ (هيه) .

3.الصحاح ، ج ۲ ، ص ۸۳۷ (نكر) .

4.القاموس المحيط ، ج ۲ ، ص ۱۴۸ (نكر) .

5.قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج ۱۱ ، ص ۲۳۷ و۲۳۸ .

6.الشرح (۹۴) : ۶ .

  • نام منبع :
    البضاعة المزجاة المجلد الأول
    سایر پدیدآورندگان :
    تحقیق : احمدی جلفایی، حمید
    تعداد جلد :
    3
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388 ش
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 124182
صفحه از 630
پرینت  ارسال به