291
البضاعة المزجاة المجلد الأول

النظر ، لكنّه صعب في نفس الأمر؛ إذ النيّة ليست مجرّد القول ، ولا مفهومه الحاصل في
الذهن، بل المعتبر فيها حقيقة هو ميل القلب إلى المنوي ميلاً تامّا ، بحيث لا يعتريه ما يوجب فساده بالكلّيّة ، كالرياء والسمعة وقت الفعل وبعده إلى آخر العمر، ولا ما يوجب فساد كماله كالأخلاق الذميمة وآثارها، وتوجّه النفس إلى الغير عند الفعل، فتحقّق هذا الميل موقوف على تطهير القلب عن الرذائل ، وتزيينه بالفضائل ، وتنزيهه عن حبّ الدنيا والميل إليها، ولا يتحصّل ذلك إلّا بمجاهدات نفسانيّة ورياضات بدنيّة في مدّة طويلة، ولا خفاء في أنّ تخليص النيّة عن هذا الفساد أشدّ من طول الجهاد ؛ أمّا أوّلاً فلأنّ مجاهدة النفس والشيطان مجاهدة عدوّ لا يزال مخادعاً ، ولا ينال غرضَه إلّا بالخروج في زيّ الناصحين للأصدقاء، ولا شكّ أنّ جهاد مثل هذا العدوّ أشدّ من جهاد عدوّ مظهر للعداوة.وأمّا ثانياً فلأنّ جهاد العدوّ الظاهر يقع في العمر مرّة أو مرّتين، لا دائماً ، بخلاف العدوّ الخفي، فلا ريب أنّه أشقّ وأصعب.
وأمّا ثالثاً فلأنّ جهاد العدوّ الظاهر أسهل؛ لأنّ القوى البدنيّة كالغضب والشهوة تثوران عند محاربته طلباً لدفعه، وتصيران تابعين للمجاهد فيما يراه ويأمر ، بخلاف جهاد العدوّ الخفي ؛ فإنّهما تابعان للعدوّ ناصران له.وأمّا رابعاً فلأنّ مضرّة العدوّ الظاهر دنياويّة فانية، ومضرّة العدوّ الباطن اُخرويّة باقية أشدّ منه . ۱ (هيهات) أي بعد ظنّكم بي.
(لو لا التُّقى لكنتُ أدهى العرب) .في القاموس: «اتّقيت الشيء ، وأتقيته ، وتَقَيْتُه ، أتّقيه تُقًى وتقيّة وتِقاء ، ككساء : حذرته، والاسم: التقوى» . ۲ وقال: «الدَهي والدَهاء: النكر ، وجودة الرأي» . ۳
وقال: «النكر: الدهاء والفطنة». ۴

1.القاموس المحيط ، ج ۲ ، ص ۱۴۸ (نكر) .

2.قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج ۱۱ ، ص ۴۳۸ و۴۳۹ .

3.القاموس المحيط ، ج ۴ ، ص ۴۰۱ (وفي) .

4.القاموس المحيط ، ج ۴ ، ص ۳۲۹ (دهي) .


البضاعة المزجاة المجلد الأول
290

الكرام ، كما قال عزّ وجلّ : «وَكَذلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُؤْقِنِينَ» . ۱ وقال صلى الله عليه و آله : «اتّقوا فراسة المؤمن؛ فإنّه ينظر بنور اللّه» . ۲ وقال بعض الأفاضل:
إذا أراد الإنسان تصحيح ضميره عن النيّات الفاسدة والأخلاق الذميمة تبدو له العيوب الكبيرة العظيمة الكامنة في النفس ، والأخلاق الذميمة الجليلة التي خفيت عليه تحت أستار الغفلات . ۳ وقال بعضهم:
الضمائر [الاُمور] المستورة مطلقاً، وتصحيحها في يوم القيامة، وذلك «يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ»۴ ، وعند ذلك يتميّز الصحيح من السقيم ، والحقّ من الباطل، ويظهر الفرق بينهما ظهوراً تامّاً لا يشتبه على أحد كلّ ما أعدّ له، وأمّا الدنيا دار كُمون قد يدلّس المدلسون ، ويدعون الحقّ ، ويذعن لهم القاصرون ـ قال : ـ ويمكن أن يراد به تصحيحها بالمحاسبة، وكونها سبباً لظهور الكبائر، والفرار منها ظاهر . ۵ (تصفية العمل أشدّ من العمل) أي من نفس العمل، وتصفيته جعله صافياً من النقص والمفسدات الداخلة والخارجة وتخليصه لوجه اللّه غير ملحوظ فيه غيره.قيل: حتّى الفوز بالثواب والنجاة من العقاب، وهذه مرتبة عليّة لا يرتقى عليها إلّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم.
(وتخليص النيّة من الفَساد أشدّ على العاملين من طول الجهاد) أي المجاهدة مع الأعداء الظاهرة ، أو الطاعات والعبادات.والنيّة: القصد ، والوجه الذي فيه . يقال: نوى الشيء يَنويه نيّة، وقد تخفّف.
وقيل: النيّة: القصد إلى إيقاع الفعل المأمور به شرعاً . ۶ وهذا وإن كان سهلاً في بادئ

1.الأنعام (۶) : ۷۵ .

2.الكافي ، ج ۱ ، ص ۲۱۸ ، باب أنّ المتوسّمين الذين ذكرهم اللّه تعالى في كتابه هم الأئمّة عليهم السلام ، ح ۳ ؛ المحاسن ، ج ۱ ، ص۱۳۱ ، ح ۱ ؛ علل الشرائع ، ج ۱ ، ص ۱۷۳ ، ح ۱ .

3.قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج ۲۵ ، ص ۵۵ .

4.الطارق (۸۶) : ۹ .

5.قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج ۱۱ ، ص ۲۳۸ .

6.راجع : مختلف الشيعة ، ج ۴ ، ص ۳۳۳ .

  • نام منبع :
    البضاعة المزجاة المجلد الأول
    سایر پدیدآورندگان :
    تحقیق : احمدی جلفایی، حمید
    تعداد جلد :
    3
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388 ش
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 124166
صفحه از 630
پرینت  ارسال به