293
البضاعة المزجاة المجلد الأول

والاستحسان والمصالح المرسلة، ويرى تخصيص عمومات النصوص بالآراء ،والاستنباط من اُصول تقتضي خلاف ما يقتضيه عموم النصّ، ويكيد خصمه، ويأمر اُمراءه بالكيد والحيلة، ويؤدّب بالدرّة والسوط من يتغلّب على ظنّه أنّه يستوجب ذلك، ويصفح عن آخرين، وقد اجترموا ما استوجبوا به التأديب كلّ ذلك بقوّة اجتهاده وما يؤدّيه إليه نظره.ولم يكن أمير المؤمنين عليه السلام يرى ذلك، وكان يقف مع النصوص والظواهر، ولا يتعدّاها إلى الاجتهاد والأقيسة، ويطبق اُمور الدنيا على اُمور الدين، ويسوق الكلّ مسوقاً واحداً، ولا يضيع ولا يرفع إلّا بالكتاب والنصّ، فاختلف طريقتاهما في الخلافة والسياسة.وكان عمر مع ذلك شديد الغلظة، وكان علي عليه السلام كثير الحلم والصفح والتجاوز، فازدادت خلافة ذاك قوّة ، وخلافة هذا كبلاً، ۱ ولم يُمَن عمر بما مُني به ۲ علي عليه السلام من فتنة عثمان التي أحوجته إلى مداراة أصحابه وجنده ومقاربتهم ؛ للاضطراب الواقع بطريق الفتنة، ثمّ تلا ذلك فتنة الجمل ، وفتنة الصفّين، ثمّ فتنة النهروان، وكلّ هذه الاُمور مؤثّرة في اضطراب أمر الوالي ، وانحلال معاقد ملكه، ولم يتّفق لعمر شيء من ذلك، فشتّان ما بين الخلافتين فيما يعود إلى انتظام المملكة وصحّة تدبير الخلافة . ۳ إلى هاهنا كلام ابن أبي الحديد، نقلناه بطوله ؛ ليعلم الناظر فيه كيف أجرى اللّه الحقّ على لسان أعدائه ليكون حجّة عليهم لأوليائه ؟! والحمد للّه ربّ العالمين.(أيّها الناس إنّ اللّه ـ عزّ وجلّ ـ وعد نبيّه محمّداً صلى الله عليه و آله الوسيلة) .
قال الجوهري: «الوسيلة: ما يتقرّب به إلى الغير، والجمع: الوَسيل والوسائل. يقال: وَسَلَ فلان إلى ربّه وسيلة، وتوسّل إليه بوسيلة ، إذا تقرّب إليه بعمل» . ۴ وفي القاموس: «الوسيلة والواسلة: المنزلة عند الملك ، والدرجة ، والقربة» ۵ انتهى.

1.في المصدر : «لينا» وفي الحاشية: «الكَبْل: القيد الضخم ، وفَرو كَبَل بالتحريك، أي قصير . اللسان» . لسان العرب ، ج ۱۱ ، ص ۵۸۰ و۵۸۱ (كبل) .

2.في الحاشية : «ومَنَوته ومنيته ، إذا ابتليته الصحاح» . الصحاح ، ج ۶ ، ص ۲۴۹۸ (منو) .

3.شرح نهج البلاغة ، ج ۱۰ ، ص ۲۱۲-۲۱۳.

4.الصحاح ، ج ۵ ، ص ۱۸۴۱ (وسل) .

5.القاموس المحيط ، ج ۴ ، ص ۶۴ (وسل) .


البضاعة المزجاة المجلد الأول
292

وأقول: المراد بالدهاء هنا المكر والخديعة ، والحيل الباطلة ، واستعمال الرأي في تحصيل المطالب الدنيويّة والاُمور السياسيّة ، وإن كان مخالفاً للقوانين الشرعيّة.وقيل: كان هذا الكلام صدر منه هنا كالجواب لما كان يسمعه من أقوال الجاهلين بحاله، ونسبته إلى قلّة التدبّر وسوء الرأي في اُمور الدنيا ، ونسبة غيره إلى جودة الرأي وحسن التدبّر فيها ؛ لما بينهم من المشاركة في هذا العمل، فمن كان فيه أتقن وأكمل كان عندهم أحسن وأفضل، وغفلوا أنّه عليه السلام كان في جميع حركاته على القوانين الشرعيّة ، ورفض ما كان عادتهم من استعمال الدهاء في الاُمور الدنيويّة، فأفاد عليه السلام أنّ تمسّكه بزمام الورع والتقوى منعه من الدهاء، وإلّا فهو أعرف بالدهاء وطرقه وكيفيّة استعماله من غيره، ولم يكن ذلك مختصّاً به عليه السلام ، بل جاهل كلّ قوم يظنّ بعالمهم ذلك؛ لأنّ العالم ملجم بلجام التقوى ، فطَوره في معاملة الدنيا ليس طورهم . ۱ وقال ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة وكان من علماء العامّة:
اعلم أنّ قوماً ممّن عرف ۲ حقيقة فضل أمير المؤمنين عليه السلام زعموا أنّ عمر كان أسوس منه ، وإن كان هو أعلم من عمر، وصرّح الرئيس أبو علي سينا بذلك في الشفاء في الحكمة، وكان شيخنا أبو الحسين يميل إلى ذلك، وقد عرّض به في كتاب الغُرر، ثمّ زعم أعداؤه ومبغضوه أنّ معاوية أيضاً كان أسوس منه وأصحّ تدبيراً .وقد سبق لنا بحث قديم في هذا الكتاب في بيان حسن سياسة أمير المؤمنين عليه السلام وصحّة تدبيره، ونحن نذكر هنا ما لم نذكره هناك ممّا يليق بهذا الفضل الذي نحن في شرحه:اعلم أنّ السائس لا يتمكّن من السياسة البالغة إلّا إذا كان يعمل برأيه ، وبما يرى فيه صلاح ملكه ، وتمهيد أمره ، وتوطيد قاعدته ، سواء وافق الشريعة أم لم يوافقها، ومتى لم يعمل في السياسة والتدبير بموجب ما قلناه، فبعيد أن ينتظم أمره ويستوسق حاله. وأمير المؤمنين عليه السلام كان مقيّداً بقيود الشريعة مدفوعاً إلى اتّباعها ، ورفض ما يصلح اعتماده من آراء الحرب والكيد والتدبير إذا لم يكن للشرع موافقاً، فلم تكن قاعدته في خلافته قاعدة غيره ممّن لا يلتزم بذلك، ولسنا بهذا القول زارين على عمر بن الخطّاب ، ولا ناسبين إليه ما هو منزّه عنه، ولكنّه كان مجتهداً يعمل بالقياس

1.قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج ۱۱ ، ص ۲۳۹ .

2.هذا ، وفي المصدر : «ممّن لم يعرف» .

  • نام منبع :
    البضاعة المزجاة المجلد الأول
    سایر پدیدآورندگان :
    تحقیق : احمدی جلفایی، حمید
    تعداد جلد :
    3
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388 ش
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 124167
صفحه از 630
پرینت  ارسال به