93
البضاعة المزجاة المجلد الأول

قيل: أي لا قوّة لنا على طاعة اللّه والفرار من معصيته، والنجاة من صفة أعدائه وما ابتلاهم به إلّا بمعونته وتوفيقه، وهذه أعظم كلمة يقوله العبد لإظهار الفقر إليه تعالى، وطلب المعونة منه على ما يحاول من الاُمور، وهو حقيقة العبوديّة. ۱
(فاتّقوا اللّه أيّتها العِصابةُ الناجية) .
قال الجوهري: «العصابة: الجماعة من الناس والطير والخيل». ۲
وفي القاموس:
العَصَب محرّكة: خيار القوم، والعصبة محرّكة: قوم الرجل الذين يتعصّبون له، والعُصبة ـ بالضمّ ـ من الرجال والخيل والطير: ما بين العشرة إلى الأربعين، كالعصابة بالكسر ۳ . انتهى.
وقيل: إنّما سمّاهم عليه السلام بها لشرافتهم وتعصّبهم في الدين مع قلّتهم. ۴
(إن أتمّ اللّه لكم ما أعطاكم به) من الهداية والتوفيق للإيمان بما يجب الإيمان به، والعمل بمتقضاه.
والظاهر أنّ جزاء الشرط محذوف، وقوله: (فإنّه لا يتمّ الأمر) مع ما بعده قائم مقام الجزاء، وما قيل من أنّه هو الجزاء فضعفه ظاهر.
والمراد بالأمر أمر الدين والثبات عليه، أو الجنّة والثواب.
وتقدير الكلام: إن أتمّ اللّه لكم عطاياه، فإنّ إتمامها إنّما يكون بالابتلاء؛ لأنّه لا يتمّ أمر حتّى (يدخل عليكم) إلى آخره.
وقال بعض الأفاضل:
لعلّ المراد: اتّقوا اللّه، ولا تتركوا التقوى عن الشرك والمعاصي عند إرادة اللّه إتمام ما أعطاكم من دين الحقّ، ثمّ بيّن عليه السلام الإتمام بأنّه إنّما يكون بالابتلاء والافتتان وتسليط من يؤذيكم عليكم.
والحاصل أنّه أمر بالتقوى عند الابتلاء بالفتن، وذكر فائدة الابتلاء بأنّه سبب لتمام الإيمان.

1.القائل هو المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه، ج ۱۱، ص ۱۵۰.

2.الصحاح، ج ۱، ص ۱۸۳ (عصب).

3.القاموس المحيط، ج ۱، ص ۱۰۵ (عصب) مع التلخيص.


البضاعة المزجاة المجلد الأول
92

والكرّة في الأصل: المرّة والحملة والرجوع.
(وأسوأ حالَهم عند ربّهم يوم القيامة) حين شاهدوا ما اُعدّ لهم من العقاب والخذلان، ورأوا ما وصل إلى المتّقين من الكرامة والامتنان.
(استجيروا اللّه أن يخزيكم ۱ في مثالهم أبداً) .
كأنّه على الحذف والإيصال، أي استجيروا باللّه، واطلبوا منه الإجارة والأمان أن يجيركم ويعيذكم من أن يخزيكم في صفاتهم مثل اتّباع الشهوات والإعراض من الهُداة، وسلوك طُرُق الضلالات، والفضيحة على رؤوس الأشهاد في العرصات، والخلود في العقوبات.
والمِثال، بالكسر: صفة الشيء والمقدار.
وفي بعض النسخ: «أن يجريكم» من الإجراء. وفي بعضها: «أن يجيركم»، وقيل: معناه حينئذ: استجيروا، أو استعيذوا باللّه من أن يكون إجارته تعالى إيّاكم على مثال إجارته لهم؛ فإنّه لا يجيرهم من عذابه في الآخرة، وإنّما أجارهم في الدنيا. ۲
وفي بعض النسخ: «من مثالهم»، ولعلّ المراد حينئذ: استجيروا باللّه أن يجيركم من أن تكونوا مثلهم.
(وأن يبتليكم بما ابتلاهم به) . ۳
لفظة «به» ليست في بعض النسخ. وفي بعضها: «بما ابتلاهم اللّه».
وقيل: الموصول عبارة عن الميل إلى الباطل وحبّ أهله، والفرار من الحقّ وبغض أهله، فأبطلوا بذلك فطرتهم الأصليّة وقوّتهم الفطريّة، واستحقّوا الخذلان وسلب التوفيق، وهو معنى الابتلاء فيهم.
وفيه تنبيه على أنّه ينبغي لطالب الحقّ أن لا يثق بنفسه ولا بعمله؛ لأنّ النفس أمّارة بالسوء، والعمل لا يخلو من التقصير فيه، بل يرجع إلى ربّه، ويلوذ به، ويطلب منه أن يجيره من صفة أهل الباطل باللطف والتوفيق، ۴ كما أشار إليه أيضاً بقوله: (ولا قوّة لنا ولكم إلّا به).

1.هذا، وقد أثبت الشارح رحمه الله في المتن الذي نقله سابقاً: «أن يجيركم».

2.القائل هو العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول، ج ۲۵، ص ۱۰.

3.في المتن الذي نقله الشارح رحمه الله سابقاً: «اللّه » بدل «به».

4.القائل هو المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه، ج ۱۱، ص ۱۵۰.

  • نام منبع :
    البضاعة المزجاة المجلد الأول
    سایر پدیدآورندگان :
    تحقیق : احمدی جلفایی، حمید
    تعداد جلد :
    3
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388 ش
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 124247
صفحه از 630
پرینت  ارسال به