151
الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1

ويلائم الثاني ما سيجيء في باب رواية الكتب والحديث من قول أبي عبداللّه عليه السلام في رواية أبي بصير، قال : قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : قول اللّه جلّ ثناؤه: «الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ» ؟ ۱ قال : «هو الرجل يسمع الحديث، فيحدّث به كما سمعه ، لا يزيد فيه ولا ينقص منه» ۲ فتدبّر .
وسنبيّن في باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه أنّ في آية «وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَا اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِى الْعِلْمِ»۳ يقولون محملين كلاهما مراد ؛ هذا .
ومن التمييز الموجب لاستحقاق هذه البشارة أن ينظر المستمع أيّ الأقوال أقرب من الأمن ، فيقف عليه إلى أن يتحقّق الأمر ، وبذلك ألزم الحجّة في قوله تعالى : «فَأَىُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ»۴ ، وسيجيء في كتاب التوحيد من قول الرضا عليه السلام للزنديق : «إن كان القولُ قولَنا وهو قولُنا ، ألستم قد هلكتم ونَجَوْنا» . ۵
ومثله في رواية المفضّل عن الصادق عليه السلام ، قلت ـ يعني للزنديق الذي يحكي الإمام عليه السلام مناظرته معه ـ : «أرأيت إن كان القول قولك، فهل تخاف عليَّ شيئا ممّا اُخوّفك به من عقاب اللّه ؟» قال: [لا] قلت : «أفرأيت إن كان كما أقول والحقّ في يدي ، ألستُ قد أخذت فيما كنت اُحاذر من عقاب الخالق بالثقة ، وأنّك قد وقعت بجحودك وإنكارك في الهلكة ؟» قال : بلى ، قلت : «فأيّنا أولى بالحزم وأقرب من النجاة ؟» الحديث . ۶قوله :«اُولئك الذين هداهم اللّه »۷.[ح ۱۲ / ۱۲]
استئناف بإعادة ما استؤنف عنه بصفته ؛ فإنّ اسم الإشارة هاهنا في قوّة الموصوف بالصفات المذكورة ، فصار بمنزلة قولهم : «أحسنت إلى زيد صديقك حقيقٌ بالإحسان» وهذا أبلغ أن تستأنف بالإعادة بالاسم كأن تقول في المثال : «زيدٌ حقيقٌ

1.الزمر (۳۹) : ۱۸.

2.الكافي ، ج ۱ ، ص ۵۱ ، باب رواية الكتب والحديث و ... ، ح ۱ .

3.آل عمران(۳) : ۷ .

4.الأنعام(۶) : ۸۱ .

5.الكافي ، ج ۱ ، ص ۷۸ ، باب حدوث العالم وإثبات المحدث ، ح ۳ .

6.بحار الأنوار ، ج ۳ ، ص ۱۵۲ ، ح ۱ .

7.الزمر (۳۹) : ۱۸ .


الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
150

والمراد بالجاهل هنا من فرّط في ذلك ، واكتفى بتقليد الحقّ ليكون اسم التفضيل على معناه الحقيقي ، والسهر والشخوص ما يكون على الوجه الصحيح، وإن أخذ أعمّ منه ومن المجازي الذي هو مجرّد الفضل ، فالتفضيل بالنسبة إلى غير الصحيح، كما في قولهم : الخلّ أحلى من العسل ، وكما في قوله تعالى : «فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَ ذَرُواْ الْبَيْعَ ذَ لِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ»۱ .
قوله : (بَشَّرَ أهلَ العقلِ والفهمِ) .[ح ۱۲ / ۱۲]
المراد بالعقل هنا مصدر عقل ، بمعنى تدبّر وتفكّر ؛ بقرينة إردافه بالفهم .
قوله :«يستمعون القول».[ح ۱۲ / ۱۲]
أي لا يعرضون عن سماع الدعوة إذا لم يكونوا على يقين ببطلان خلاف ما هم عليه، كما أعرض الاُمم السابقة ؛ قال تعالى حكايةً عن نوح عليه السلام : «وَ إِنِّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَـبِعَهُمْ فِى ءَاذَانِهِمْ وَ اسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ وَ أَصَرُّواْ وَ اسْتَكْبَرُواْ اسْتِكْبَارًا»۲ ، وقال تعالى : «وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ»۳ ، فأمر اللّه تعالى تبشير المشتاقين إلى الحقّ ، وهم الذين إذا وقعوا بين دعوات متقابلة لم يعرضوا عنها أجمع ، كما يفعله الملاحدة الفجرة ؛ خوفا للزوم شيء عليهم ، وكما يفعله المقلّدة للآباء والأسلاف المتمكّنة بقريحتهم التي اُعطوها من تمييز الحقّ والباطل ؛ خوفا للزوم ترك طريقة الآباء ، بل استمعوها استماع دراية ، ثمّ لم يبادروا إلى اتّباع واحدة منها لغرضٍ باطل من مالٍ أو جاهٍ أو ما أشبههما ، بل تأمّلوا فيها، فاتّبعوا أحسنها الذي هو الحقّ ، على أنّ اسم التفضيل منسلخ عن معنى الزيادة ، وضمير «أَحْسَنَهُ» في الآية إلى القول ، والقول عامّ للباطل والحقّ .
وهاهنا محمل آخر ، وهو أن يكون الضمير عائدا إلى مصدر الفعل ، أي يتّبعون أحسن اتّباع ، فالقول على هذا هو الكلام الحقّ .
وكلا المحملين مراد ، ومثل هذا كثير في القرآن المجيد ، وهذا الحديث يلائم الأوّل .

1.الجمعة (۶۲) : ۹ .

2.نوح (۷۱) : ۷ .

3.فصّلت (۴۱) : ۲۶ .

  • نام منبع :
    الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
    سایر پدیدآورندگان :
    تحقیق : الدرایتی، محمد حسین
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388 ش
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 153412
صفحه از 637
پرینت  ارسال به