153
الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1

والأئمّة عليهم السلام ، وإلّا لكان مقتضى الاُسلوب : «ونصرهم بالبيان» بل المراد بها دقائق الصنع ، ولطائف التدبير المودعة في أجزاء العالم ، كما ورد في خطبةٍ من خطب أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة حيث قال : «فصارَ كلُّ ما خَلَقَ حُجّةً له ودليلاً عليه ، وإن كانَ خَلقا صامتا فحُجَّتُه بالتدبير ناطقةٌ ، ودلالتُه على المُبْدِع قائمةٌ » الخطبة . ۱
ولمّا كانت العقول هي المدركة لتلك اللطائف والدقائق، وهي الحاكمة بحجّيّتها ، صَحَّ أنّ الحجج كملت بالعقول .
ثمّ اعلم أنّه إنّما يقال : «أكمل لهم الحجّة» إذا كان الغرض إيضاحَها لينتفعوا بها في الإذعان عند الدعوة، والإلزام عند المخاصمة ، فإذن يكون المراد بالناس مَن علم اللّه تعالى انتفاعهم بالحجج ، وسبقت لهم من اللّه الحسنى ، ولو كان الغرض إيضاحَها لقطع العذر وسدّ باب الاعتلال لقيل : «أتمّ عليهم الحججَ» لا أكمل لهم ، ويشهد بذلك ـ مضافا إلى الاعتبار ـ تتبّعُ موارد الاستعمال .
وقوله عليه السلام : «ونصر النبيّين» على تقدير الفعليّة ، معناه أنّه سبحانه أعان أنبياءه على المعاندين عند محاجّتهم إيّاهم بإعطاء البيانات الوافية الملزمة ، كما قال عزّ من قائل : «وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ»۲ .
ويحتمل أن يكون مصدرا مجرورا بالعطف على العقول ، والبيان متعلّقا به ، والمعنى أنّ اللّه تعالى أوضح الحجج لطالبي الحقّ بالعقول الصحيحة التي أعطاهم ليدركوا بها حجّيّتها ، وبنصر النبيّين إيّاهم بالبيانات المنبّهة عليها لكي لايغفلوا عنها .
وفي خطبةٍ من خطب نهج البلاغة :
«فبعث فيهم رُسُلَه ، وواتَرَ إليهم أنبياءَه، لِيَستأدوهم ميثاقَ فطرته ، ويُذَكِّروهم مَنسِيَّ نعمته ، ويَحتَجّوا عليهم بالتبليغ ، ويُثيروا لهم دفائنَ العقولِ ، ويُروهم آثار القدرة ۳ من سَقفٍ فوقَهم مَرفوعٍ ، ومهادٍ تَحتَهُم موضوعٍ» الخطبة . ۴

1.نهج البلاغة ، ص ۱۲۵ ، الخطبة ۹۱ .

2.الأنعام (۶) : ۸۳ .

3.في المصدر : «آيات المَقدرة» .

4.نهج البلاغة ، ص ۴۳ ، الخطبة ۱ .


الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
152

بالإحسان» لما فيه من بيان المقتضى للإحسان ؛ فإنّ في تعليق الحكم على الوصف إيذانا بأنّه الموجب للحكم .
والسؤال المتّجه في الآية المستدعي للاستئناف قول القائل من اُولئك العباد الذين أضافهم اللّه إلى نفسه تشريفا لهم وتكريما ، كما في قوله : «إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ»۱ .
ثمّ أشعر بعلّة التشريف والتكريم بأنّهم امتازوا من بين سائر العباد ، وفازوا بمثل هذا الرشاد ، ولهذا اُجيب بأنّ «أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ»۲ ؛ كأنّه قيل : الموصوفون بهذه الصفات جماعة محكوم عليهم بهذين الحكمين ، وإنّما ذكر الحكم الأوّل للإشعار بأنّهم فعلوا ما فعلوا لا بحولهم وقوّتهم ، بل بهداية اللّه وتوفيقه .
ثمّ أردفه بالحكم الثاني إيذانا لجهة القابليّة للهداية بعد ذكر الجهة الفاعليّة . وهذه النكتة ممّا استفدنا من شرح صدر المحقّقين . ۳
وفي الآية احتمال آخر وهو أن يكون الاستئناف قوله تعالى : «الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ» لا اُولئك ، إلّا أنّ ما حرّرناه أوجه .
قوله : (إنّ اللّهَ أكْمَلَ للناسِ الحُجَجَ بالعقولِ ، ونَصَرَ النبيّينَ بالبيانِ) .[ح ۱۲ / ۱۲]
في القاموس : «الحجّ : الغلبة بالحجّة . والحُجّة ـ بالضمّ ـ : البرهان» ۴ انتهى .
ولعلّه إنّما سمّي بها البرهان؛ لأنّه يُغلب به على الخصم ، ومجيء فُعْلة بمعنى ما يفعل به قياس مطّرد ، كالقوّة لما يقوى به ، والوصلة لما يوصل به ، واللقمة لما يلقم به ، ولمّا كان العاقل المنصف إذا رأى أمرا يظهر له به حقّيّةُ دعوى المدّعي خَضَعَ له واستسلم ، فقد غلب المدّعي ـ بالكسر ـ بذلك الأمر صاحبه ، فالأمر حجّة؛ لأنّه ما يغلب به ، وكذلك العقل ممّا يغلب به مدّعي الباطل ، والنبيّ بما به من آثار النبوّة ممّا يغلب به مَن في الكفر ؛ فهما حجّتان .
إذا عرفت هذا ، فاعلم أنّه ليس المراد بالحجج هاهنا المعصومين من الأنبياء

1.الحجر (۱۵) : ۴۲ ؛ الإسراء (۱۷) : ۶۵ .

2.الزمر(۳۹) : ۱۸ .

3.شرح صدر المتألّهين ، ص ۲۶ .

4.القاموس المحيط ، ج ۱ ، ص ۱۸۲ (حجج) .

  • نام منبع :
    الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
    سایر پدیدآورندگان :
    تحقیق : الدرایتی، محمد حسین
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388 ش
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 153404
صفحه از 637
پرینت  ارسال به