والأئمّة عليهم السلام ، وإلّا لكان مقتضى الاُسلوب : «ونصرهم بالبيان» بل المراد بها دقائق الصنع ، ولطائف التدبير المودعة في أجزاء العالم ، كما ورد في خطبةٍ من خطب أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة حيث قال : «فصارَ كلُّ ما خَلَقَ حُجّةً له ودليلاً عليه ، وإن كانَ خَلقا صامتا فحُجَّتُه بالتدبير ناطقةٌ ، ودلالتُه على المُبْدِع قائمةٌ » الخطبة . ۱
ولمّا كانت العقول هي المدركة لتلك اللطائف والدقائق، وهي الحاكمة بحجّيّتها ، صَحَّ أنّ الحجج كملت بالعقول .
ثمّ اعلم أنّه إنّما يقال : «أكمل لهم الحجّة» إذا كان الغرض إيضاحَها لينتفعوا بها في الإذعان عند الدعوة، والإلزام عند المخاصمة ، فإذن يكون المراد بالناس مَن علم اللّه تعالى انتفاعهم بالحجج ، وسبقت لهم من اللّه الحسنى ، ولو كان الغرض إيضاحَها لقطع العذر وسدّ باب الاعتلال لقيل : «أتمّ عليهم الحججَ» لا أكمل لهم ، ويشهد بذلك ـ مضافا إلى الاعتبار ـ تتبّعُ موارد الاستعمال .
وقوله عليه السلام : «ونصر النبيّين» على تقدير الفعليّة ، معناه أنّه سبحانه أعان أنبياءه على المعاندين عند محاجّتهم إيّاهم بإعطاء البيانات الوافية الملزمة ، كما قال عزّ من قائل : «وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ»۲ .
ويحتمل أن يكون مصدرا مجرورا بالعطف على العقول ، والبيان متعلّقا به ، والمعنى أنّ اللّه تعالى أوضح الحجج لطالبي الحقّ بالعقول الصحيحة التي أعطاهم ليدركوا بها حجّيّتها ، وبنصر النبيّين إيّاهم بالبيانات المنبّهة عليها لكي لايغفلوا عنها .
وفي خطبةٍ من خطب نهج البلاغة :
«فبعث فيهم رُسُلَه ، وواتَرَ إليهم أنبياءَه، لِيَستأدوهم ميثاقَ فطرته ، ويُذَكِّروهم مَنسِيَّ نعمته ، ويَحتَجّوا عليهم بالتبليغ ، ويُثيروا لهم دفائنَ العقولِ ، ويُروهم آثار القدرة ۳ من سَقفٍ فوقَهم مَرفوعٍ ، ومهادٍ تَحتَهُم موضوعٍ» الخطبة . ۴