161
الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1

والوجه الآخَر أنّه يرى آثار العمد والتدبّر والحكمة والتقدير الدالّة على الصانع القدير فاشية في الآفاق والأنفس ، كما نبّه عليه في قوله تعالى : «سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِى الْافَاقِ وَفِى أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ»۱ ، وكفى ما في قوله جلّ ثناؤه : «وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ»۲ من التقريع والتوبيخ على الذين غفلوا بل تغافلوا ، فتلك الآثار أوجبت علما ضروريّا ـ وإن كان على ضرب من الاستدلال ، كما هو الشأن في النتائج الفطريّة التي قياساتها معها ـ فلا يستطيع أحدا ادّعاء الشكّ إلّا على وجه الإلحاد والعنود ، وستسمع تمام الكلام في هذا الباب في كتاب التوحيد في شرح حديث : «اعرفوا اللّه باللّه » . ۳
هذا ؛ وإلى التذلّل التسخيري والعلم الضروري أشار أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة حيث قال : «لم يُطْلِع العقولَ على تحديد صفته ، ولم يَحْجُبْها عن واجب معرفته ، فهو الذي تَشهَدُ له أعلامُ الوجود على إقرار قلب ذي الجُحود» . ۴
وقال اللّه تبارك وتعالى : «جَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ»۵ ، وحديث توجّه القلب إلى اللّه تعالى عند كسر السفينة وانقطاع الرّجاء عن الخلق بالكلّيّة من شواهد هذا الباب .
فظهر أنّ كلّ من استشمّ رائحة العقل عالم بأنّ في الوجود من بيده زمام أمره علما اضطراريّا ، ومتذلّل له تذلّلاً طبيعيّا تسخيريّا ، وإن غفل عن ذلك أحيانا ولم يشعر بعلمه وتذلّله، فإنّما هو بسبب التوغّل في الملاهي ، وبلوغ نشأة الغفلة حدَّ التناهي .
نعم ، هذا العلم في الأكثر مجامع جهلين :
أحدهما : الجهل بأسمائه الحسنى والصفات اللائقة به تعالى .
والثاني : الجهل بأنّه كما هو ربّه وإلهه فهو ربّ العالمين وإله الكلّ .

1.فصّلت (۴۱) : ۵۳ .

2.الذاريات (۵۱) : ۲۱ .

3.الكافي ، ج ۱ ، ص ۸۵ ، باب أنّه لايعرف إلاّ به ، ح ۱ .

4.نهج البلاغة ، ص ۸۷ ، الخطبة ۴۹ .

5.النمل (۲۷) : ۱۴ .


الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
160

حديث الإمام الصادق عليه السلام حيث قال : «وجود الأفاعيل دَلَّ على أنّ صانعها صنعها» . ۱
وقال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة من خطب نهج البلاغة : «وهل يكونُ بناءٌ من غير بانٍ ، أو جنايةٌ من غير جانٍ» الحديث . ۲
فيتذلّل لمورد تلك الأحوال تذلّلاً طبيعيّا تسخيريّا ، وإن تجبّر وتعظّم فإنّما ذلك تكلّف منه لمصلحة الوقت والقلب خاضع ذليل ، اللّهمّ إلّا أن تأخذه نشأةُ الغفلة، وتغشاه سكرةُ التَرَف ، على أنّه مهما اتّفق ذلك لم يمتدّ بمقتضى الحكمة أكثرَ من زمان يسير ، حتّى أفاق وتنبّه بتذلّله التسخيري لربّه المليك القادر القاهر ، ولو لم يكن منبّه إلّا الاضطرار إلى الخلأ واستشمام الرائحة الخبيثة المنتنة لكفى .
وإلى هذا الوجه من العلم وقعت الإشارة فيما حكى ابن أبي العوجاء لصاحبه ابن المقفّع حيث قال : فقلت له ـ يعني الصادق عليه السلام ـ : ما مَنَعَهُ إن كان الأمر كما تقولون أن يَظهَر لخَلْقه ، ويَدعُوَهم إلى عبادته حتّى لا يختلف منهم اثنان ؟ ولِمَ احتجبَ عنهم وأرسلَ إليهم الرُّسل ؟ ولو باشَرَهم بنفسه كان أقرب إلى الإيمان به ؟ فقال لي : «ويلك ، وكيف احتجب عنك من أراك قدرتَه في نفسك : نشوءَك ولم تكن ، وكِبَرَك بعد صِغَرِك ، وقوّتَك بعد ضَعْفِك ، وضعفَك بعد قوّتك ، وسُقمَك بعد صحّتك ، وصحَّتَك بعد سقمك ، ورضاك بعد غضبك ، وغضبَك بعد رضاك ، وحُزنَك بعد فَرَحِك وفَرَحَك بعد حُزنِك ، وحُبَّك بعد غضبك وبغضَك بعد حبّك، وعزمَك بعد أناتك، وأناتَك بعد عزمك ، وشهوتَك بعد كراهتَك ، وكراهتَك بعد شهوتك ، ورغبتك بعد رهبتك ، ورهبتَك بعد رغبتك ، ورجاءك بعد يأسك ، ويأسك بعد رجائك ، وخاطِرَك بما لم يكن في وَهْمك ، وعُزوب ما أنت مُعتَقِدُه عن ذهنك» ومازال يُعدِّدُ عليَّ قدرتَه التي هي في نفسي لا أدفعها حتّى ظننتُ أنّه سيظهر فيما بيني وبينه . ۳

1.الكافي ، ج ۱ ، ص ۸ ، باب حدوث العالم و إثبات المحدث ، ح ۵ ؛ التوحيد ، ص ۲۴۳ ، ح ۱ ، وفيهما «صانعا» بدل «صانعهما» ؛ الاحتجاج ، ج ۲ ، ص ۳۳۱ .

2.نهج البلاغة ، ص ۲۷۱ ، الخطبة ۱۸۵.

3.الكافي ، ج ۱ ، ص ۷۴ ، باب حدوث العالم وإثبات المحدث ، ح ۲ ؛ التوحيد ، ص ۱۲۵ ، ح ۴ .

  • نام منبع :
    الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
    سایر پدیدآورندگان :
    تحقیق : الدرایتی، محمد حسین
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388 ش
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 153366
صفحه از 637
پرینت  ارسال به