163
الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1

بلا تفاوت في الإجمال والتفصيل ، بناءً على أنّ الجلالة إله معرّف بلام العهد ، والمعهودُ هو المعلوم للكلّ بوجه الموصوف بالوحدة المستدلّ عليها بآثار العمد والتدبير المذكورة في قوله عزّ وعلا: «إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ» إلى آخر الآية .
بل أقول : إنّ العبارتين الشريفتين من أوضح البراهين على ما حقّق في شرح الخطبة من أنّ الحضرة القدّوسيّة أرفع وأمنع من أن يحيط به عِلْم، ويوضَع له عَلَم ؛ إذ لا شكّ أنّ المقصور عليه في كريمة «لَا إِلَهَ إِلَا هُوَ» المعلومَ لكلّ أحد بوجه الإلهيّة المدّعى وحدتُه ، المستدلّ بآثار الصنع والتدبير ، المشتمل عليها قوله عزّ من قائل : «إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ» إلى آخر الآية ، على قصر الإلهيّة على ذلك المعلوم المدّعى وحدته ، ولو كانت الجلالة عَلَما ، لم يكن القصران على سَنَنٍ واحدٍ ؛ لأنّ أحدهما على واحد شخصي ، والآخَرَ على مستدلّ عليه بالوحدة ، فتدبّر حقَّ التدبّر ، ثمّ اشكر اللّه على ما رُزقتَ من الفهم ، واحفظ هذا البيان ؛ فإنّك لاتجد بهذا التصريح في غير هذا الكتاب .

فصل :

قوله تعالى : «إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ» إلى آخره تنبيهٌ على أشياءَ عبَّر عنها الإمام عليه السلام أوّلاً بالحجج في قوله : «إنّ اللّه أكمل للناس الحجج بالعقول» وثانيا بالأدلّة في قوله : «ودلّهم على ربوبيّته بالأدلّة». وفي إفراد الأرض بعد جمع السماء إشعار بأنّها أوّلَ ما خلقت خُلقت شخصا واحدا ، والوصف بالسبع ـ كما في بعض الأدعية ـ بسبب نحو من الاعتبارات ، مثل القسمة بالأقاليم السبعة ، ومثل خصوصيّات تكون لها بالنظر إلى عروض البلاد ، ومثل الأعراض الحالّة في أبعاضها من الصلابة والرخوّ واللون والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة .
قوله : «وَ اخْتِلَـفِ الَّيْلِ وَ النَّهَارِ» . قيل : هو مجيء أحدهما بعد الآخر ، المستفادُ من قول الصادق عليه السلام ـ الذي يأتي ذكره ـ الاختلاف بحسب المدّة . والمعنيان متلازمان في الوجود . و «وَالْفُلْكِ الَّتِى تَجْرِى فِى الْبَحْرِ» . الفلك يحتمل الإفراد والجمع ؛ لأنّ صورتهما واحدة ، والفرق اعتباريّ كما قرّر في موضعه .


الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
162

فمعلوم كلّ أحد من جهة الاضطرار المشار إليه بالإضافة في «إلهكم» هو أنّ في الوجود من هو وليّ أمره ، ومالك اختياره ، وله تذلّله التسخيري على وجه الاستحقاق ، وإن وقع لغيره فعلى سبيل الجعل والتكلّف ، ولكن يجوز بحسب جليل النظر أن يكون الموصوف بالوصف المذكور واحدا أو أكثرَ ، وتذلّل الكلّ لذلك الواحد ، أو كلّ متذلّل لبعض .
فقوله سبحانه في الآية : «وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ» بيان لما هو مقتضى دقيق النظر ، فكأنّه تعالى يقول : إنّكم ـ معاشرَ العباد ـ الذين عرّفتكم من طريق التذليل والتسخير وإراءة آثار الصنع والتدبير وجودَ إلهكم العزيز القدير، أدقّوا النظر ، واستعملوا الفكر ، وانظروا بعين الاعتبار والاستبصار فيما اُنبّهكم عليه ممّا نصبت لكم من الأدلّة الواضحة والحجج القاطعة ، حتّى يتبيّن لكم أنّ إلهكم إلهٌ واحد ، لا نوع متعدّد الأفراد؛ فإضافة الإله إلى المعرفة للإيذان بوقوع تعريفٍ إجمالي من طريق التسخير وإراءة آثار التدبير ، مع ما في تلك الإضافة من التكريم والتشريف والاستيناس ما لا يخفى .
وبعد الإضافة والإشارة إلى المعرّف المحتمل في جليل النظر للتعدّد ووصفه بالوحدة قال بلا فصل : «لا إلهَ إلّا هو» استينافا لرفع ما عسى أحد أن يتوهّم أنّه لعلّ الضمير المضاف إليه الإلهُ عبارةٌ عن الإنس فقط ، وللجنّ والملك وغيرهما إلهٌ غير واحد ، فأتى ب «لا» التي لنفي الجنس الذي نفى الوجود عن جميع الأفراد المتوهّمة لمفهوم الإله .
ثمّ استثنى وعبّر عن المستثنى بالضمير الراجع إلى المعلوم المحكوم عليه من طريق الإضافة بأنّه إلهنا ، ومن طريق الوصف بأنّه واحد ليفيد القصر عليه، ويرفع التوهّم المذكور ، فكأنّه قال : لا إله في الوجود إلّا الذي هو إلهكم ، ونفى تعدّده بوصف الوحدة .
وقوله تعالى في موضع آخَرَ: «لَا إِلَهَ إِلَا اللّهُ»۱ أيضا مفيد لما اُفيد في هذه الآية بعينه

1.الصافّات (۳۷) : ۳۵ ؛ محمّد (۴۷) : ۱۹ .

  • نام منبع :
    الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
    سایر پدیدآورندگان :
    تحقیق : الدرایتی، محمد حسین
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388 ش
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 153362
صفحه از 637
پرینت  ارسال به