253
الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1

اعتبر بهذا الحرّ والبرد كيف يتعاودان العالم ويتصرّفان هذا التصرّفَ في الزيادة والنقصان والاعتدال؛ لإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة وما فيها من المصالح ، ثمّ هما بعد دباغ الأبدان التي عليهما بقاؤها وفيهما صلاحها؛ فإنّه لولا الحرّ والبرد وتداولهما الأبدانَ لفسدت وأخوت وانتكثت .
فكِّر في دخول أحدهما على الآخر بهذا التدريج والترسّل ؛ فإنّك ترى أحدهما ينقص شيئا بعد شيء ، والآخَرَ يزيد مثل ذلك ، حتّى ينتهي كلّ واحد منهما منتهاه في الزيادة والنقصان ، ولو كان دخول إحداهما على الاُخرى مفاجأةً لأضرّ بذلك بالأبدان وأسقمها ، كما أنّ أحدكم لو خرج من حمّام حارّ على موضع البرودة لضرّه ذلك وأسقم بدنه .
فلِمَ جعل اللّه عزّوجلّ هذا الترسّل في الحرّ والبرد إلّا للسلامة من ضرر المفاجأة لولا التدبير في ذلك ؟
فإن زعم زاعم أنّ هذا الترسّل في دخول الحرّ والبرد إنّما يكون لإبطاء مسير الشمس في الارتفاع والانحطاط ، سُئل عن العلّة في إبطاء مسير الشمس في ارتفاعها وانحطاطها ، فإن اعتلّ في الإبطاء ببُعْد ما بين المشرقين ، سئل عن العلّة في ذلك ، فلا تزال هذه المسألة ترقى معه حيث رقي من هذا القول حتّى استقرّ على العمد والتدبير ، لولا الحرّ لما كانت الثمار الجاسية المُرّة تنضج، فتلين وتعذب حتّى يتفكّه بها رطبة ويابسة ، ولولا البرد لما كان الزرع يفرخ، ۱ ويريع الريع ۲ الكثير الذي يتّسع للقوت وما يرد في الأرض للبذر .
أفلا ترى ما في الحرّ والبرد من عظيم العناء والمنفعة ، وكلاهما مع عنائه والمنفعة فيه يؤلم الأبدان ويمضّها ، وفي ذلك عبرة لمن فكّر ، ودلالةٌ على أنّه من تدبير الحكيم في مصلحة العالم وما فيه» . ۳

1.يفرخ الزرع ، أي تنبت أفراخه ، وهي ما يخرج في اُصوله من صغاره . وقيل : هو إذا صارت له أغصان . اُنظر: لسان العرب ، ج ۳ ، ص ۴۳ (فرخ) .

2.يريع الريع ، أي تنمو الغلّة وتزداد . اُنظر: لسان العرب ، ج ۸ ، ص ۱۳۸ (ريع) .

3.توحيد المفضّل ، ص ۱۳۷ ـ ۱۴۰ ؛ بحار الأنوار ، ج ۳ ، ص ۱۱۸ ـ ۱۱۹ .


الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
252

الحيوان وبرد الهواء على النبات ـ لم يكن صلاح في أن يكون الليل ظلمةً داجية لا ضياء فيها ، فلا يمكن فيه شيء من العمل ؛ لأنّه ربّما احتاج الناس على العمل بالليل لضيق الوقت عليهم في بعض الأعمال في النهار ، أو لشدّة الحرّ وإفراطه ، فيعمل في ضوء القمر أعمالاً شتّى كحرث الأرض وضرب اللبن وقطع الخشب وما أشبه ذلك ، فجعل ضوء القمر معونة للناس على معائشهم إذا احتاجوا إلى ذلك ، واُنسا للسائرين ، وجعل طلوعه في بعض الليل دون بعض ، ونقص من ذلك نور من نور الشمس وضيائها لكيلا ينبسط الناس في العمل انبساطهم بالنهار ، ويمتنعوا من الهدوء والقرار فيهلكهم ذلك ، وفي تصرّف القمر ـ خاصّة في مهلّه ومحاقه ، وزيادته ونقصانه وكسوفه ـ من التنبيه على قدرة اللّه خالقه المصرّف له هذا التصريف لصلاح العالم ما يعتبر به المعتبرون» . ۱
قال عليه السلام بعد كلام في أمر النجوم الراتبة والمنتقلة :
«فكِّر يا مفضّل في مقادير النهار والليل كيف وقعت على ما فيه صلاح هذا الخلق، فصار منتهى كلّ واحد منهما إذا امتدّ إلى خمسة عشرة ساعة لا يجاوز ذلك ؛ أفرأيت لو كان النهار مقداره مائةَ ساعةٍ أو مأئتي ساعة ، ألم يكن في ذلك بوار كلّ ما في الأرض من حيوان ونبات ؟
أمّا الحيوان ، فكان لا يهدأ ولا يقرّ طول هذه المدّة ، ولا البهائم كانت تمسك عن الرعي لو دام لها ضوء النهار ، ولا الإنسان كان يفتر عن العمل والحركة ، وكان ذلك سيهلكها ۲ أجمع ويؤدّيها إلى التلف .
وأمّا النبات ، فكان يطول عليه حرّ النهار ووهج الشمس حتّى يجفّ ويحترق .
وكذلك الليل لو امتدّ مقدارَ هذه المدّة ، كان يعوق أصناف الحيوان عن الحركة والتصرّف في طلب المعاش حتّى يموت جوعا، وتخمده ۳ الحرارة الطبيعيّة من النبات حتّى يعفن ويفسد، كالذي تراه يحدث على النبات إذا كان في موضع لا تطلع عليه الشمس .

1.توحيد المفضّل ، ص ۱۲۸ ـ ۱۳۲ ؛ بحار الأنوار ، ج ۳ ، ص ۱۱۲ ـ ۱۱۴ .

2.في المصدر : «ينهكها».

3.في المصدر : «تخمد».

  • نام منبع :
    الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
    سایر پدیدآورندگان :
    تحقیق : الدرایتی، محمد حسین
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388 ش
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 166620
صفحه از 637
پرینت  ارسال به