275
الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1

هذا الكتاب إلى ما لعلّه تبتصر به اُولوا الألباب ، وسنبسط الكلام في كتاب مرآة العقول إن شاء اللّه تعالى . ۱
انتهى كلام الفاضل المحقّق صاحب البحار .
قوله : (مَنْ أرَاكَ قُدْرَتَهُ فِي نَفْسِكَ نُشُوءَكَ وَلَمْ تَكُنْ) إلى آخره .[ح ۲ / ۲۱۶]
قد بيّنّا في أوّل كتاب العقل في تفسير قوله تعالى : «وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ»۲
أنّ العلم الذي هو مصحّح الإضافة إلى المعرفة إنّما هو العلم بوجه ما ، وهو في الآية الحاصل لكلّ عاقل ، وذلك من وجهين :
أحدهما : أنّه لا يزال يرى نفسه غرضا لعروض حال بعد حال ملائمةً وغير ملائمة ، ولا يستطيع الثبات والقرار والامتناع ممّا يعتور عليه من الحوادث يوما فيوما ، بل ساعةً فساعة . والعقل مجبول على الحكم بأنّ الفعل لابدّ له من فاعل ، كما نبّه عليه الصادق عليه السلام في الحديث الأوّل حيث قال : «وجود الأفاعيل دلّ على أنّ صانعا صنعها» . ۳ وقال أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة : «وهل يكون بناءٌ من غير بان ، أو جنايةٌ من غير جان؟» . ۴
فالعلم الجبلّي الاضطراري حاصل لكلّ أحد بأنّ لتلك الأحوال موردا ، فيتذلّل له تذلّلاً طبيعيّا تسخيريّا ، وإن تجبّر وتعظّم فإنّما ذلك تكلّف منه لمصلحة الوقت ، والقلب خاضع ذليل ، اللّهمّ إلّا أن تأخذه نشأة الترف والطرب ، أو يخطف بصره سنا برق الغضب ، على أنّه مهما اتّفق ذلك لم يمتدّ بمقتضى الحكمة أكثرَ من زمان يسير حتّى يفيق ويتنبّه بتذلّله التسخيري لربّه المليك القادر القاهر ، ولو لم يكن إلّا الاضطرار إلى الخلاء في كلّ يوم ، واستشمام الرائحة الخبيثة المنتنة لكفى .
وإلى هذا الوجه من العلم أشار عليه السلام في هذا الحديث ، واعتبر بقول ابن أبي العوجاء واعترافه في آخر الخبر بأنّه عليه السلام : (ما زالَ يُعَدِّدُ عَلَيَّ قُدرتَهُ التي في نفسي التي لا أدْفَعُها حتّى ظننتُ أنّه سَيَظْهَرُ فيما بيني وبينَه) .

1.بحار الأنوار ، ج ۳ ، ص ۵۲ .

2.البقرة (۲) : ۱۶۳ ، ومواضع اُخر .

3.الكافي ، ج ۱ ، ص ۸۰ ، ح ۵ .

4.نهج البلاغة ، ص ۲۷۱ ، الخطبة ۱۸۵ .


الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
274

مقتضياتُها ، كما نشاهد من حركات العناصر ، كما قالوا : إنّ الطبيعة الواحدة لا تقتضي التوجّه إلى جهة والانصرافَ عنه .
ويمكن أن يُقال : حاصل الدليل راجع إلى ما يحكم به الوجدان من أنّ مثل تلك الأفعال المحكمة المتقنة الجارية على قانون الحكمة لا يصدر عن الدهر والطبائع العادمة للشعور والإرادة ، وإلى هذا يرجع قوله عليه السلام : «إن كان الدهر يذهب بهم» أي الدهر العديم الشعور كيف يصدر عنه الذهاب الموافق للحكمة ، ولا يصدر عنه بدلَه الرجوعُ ؟
أو المراد أنّه لِمَ يقتضي طبعُه ذهاب شيء ، ولا يقتضي ردَّه وبالعكس ، بناءً على أنّ مقتضيات الطبائع تابعة لتأثير الفاعل القادر القاهر ؟
ويمكن أن يكون المراد بالذهاب بهم إعدامَهم ، وبردّهم إيجادَهم ، والمراد بالدهر الطبيعةَ كما هو ظاهر كلام أكثر الدهريّة ؛ أي نسبة الوجود والعدم إلى الطبائع الإمكانيّة على السواء ، فإن كان الشيء يوجد بطبعه ، فلِمَ لا يعدم ؟ فترجّح أحدهما ترجّح بلا مرجّح يحكم العقل باستحالته ، ويجري جميع تلك الاحتمالات في قوله عليه السلام : «لِمَ السماء مرفوعة» إلى آخر كلامه .
وقوله عليه السلام : «لِمَ لا يسقط السماء على الأرض» أي لا يتحرّك بالحركة المستقيمة حتّى تقع على الأرض .
وقوله : «ولِمَ لا تنحدر الأرض فوق طباقها» أي لا تتحرّك من جهة التحت حتّى تقع على طباق ۱ السماء .
أو المراد الحركة الدوريّة فيغرق الناس في الماء ، فيكون ضمير «طباقها» راجعا إلى الأرض . وطباق الأرض : أعلاها ؛ أي تنحدر الأرض بحيث تصير فوق ما علا منها الآنَ .
قوله عليه السلام : «فلا يتماسكان» أي في صورة السقوط والانحدار ، أو المراد فيظهر أنّه لا يمكنها التماسك بأنفسها ، بل لابدّ من ماسك يمسكها . ۲
أقول : تفصيل القول في شرح تلك الأخبار الغامضة يقتضي مقاما آخَرَ ، وإنّما نشير في

1.في المصدر : «أطباق» . وطباق الأرض : ما علاها . الصحاح ، ج ۴ ، ص ۱۵۱۲ (طبق) .

2.في المصدر : «لايمكنهما التمسّك بأنفسها ، بل لابدّ من ماسك يمسكمهما» .

  • نام منبع :
    الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
    سایر پدیدآورندگان :
    تحقیق : الدرایتی، محمد حسین
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388 ش
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 165907
صفحه از 637
پرینت  ارسال به