هذا الكتاب إلى ما لعلّه تبتصر به اُولوا الألباب ، وسنبسط الكلام في كتاب مرآة العقول إن شاء اللّه تعالى . ۱
انتهى كلام الفاضل المحقّق صاحب البحار .
قوله : (مَنْ أرَاكَ قُدْرَتَهُ فِي نَفْسِكَ نُشُوءَكَ وَلَمْ تَكُنْ) إلى آخره .[ح ۲ / ۲۱۶]
قد بيّنّا في أوّل كتاب العقل في تفسير قوله تعالى : «وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ»۲
أنّ العلم الذي هو مصحّح الإضافة إلى المعرفة إنّما هو العلم بوجه ما ، وهو في الآية الحاصل لكلّ عاقل ، وذلك من وجهين :
أحدهما : أنّه لا يزال يرى نفسه غرضا لعروض حال بعد حال ملائمةً وغير ملائمة ، ولا يستطيع الثبات والقرار والامتناع ممّا يعتور عليه من الحوادث يوما فيوما ، بل ساعةً فساعة . والعقل مجبول على الحكم بأنّ الفعل لابدّ له من فاعل ، كما نبّه عليه الصادق عليه السلام في الحديث الأوّل حيث قال : «وجود الأفاعيل دلّ على أنّ صانعا صنعها» . ۳ وقال أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة : «وهل يكون بناءٌ من غير بان ، أو جنايةٌ من غير جان؟» . ۴
فالعلم الجبلّي الاضطراري حاصل لكلّ أحد بأنّ لتلك الأحوال موردا ، فيتذلّل له تذلّلاً طبيعيّا تسخيريّا ، وإن تجبّر وتعظّم فإنّما ذلك تكلّف منه لمصلحة الوقت ، والقلب خاضع ذليل ، اللّهمّ إلّا أن تأخذه نشأة الترف والطرب ، أو يخطف بصره سنا برق الغضب ، على أنّه مهما اتّفق ذلك لم يمتدّ بمقتضى الحكمة أكثرَ من زمان يسير حتّى يفيق ويتنبّه بتذلّله التسخيري لربّه المليك القادر القاهر ، ولو لم يكن إلّا الاضطرار إلى الخلاء في كلّ يوم ، واستشمام الرائحة الخبيثة المنتنة لكفى .
وإلى هذا الوجه من العلم أشار عليه السلام في هذا الحديث ، واعتبر بقول ابن أبي العوجاء واعترافه في آخر الخبر بأنّه عليه السلام : (ما زالَ يُعَدِّدُ عَلَيَّ قُدرتَهُ التي في نفسي التي لا أدْفَعُها حتّى ظننتُ أنّه سَيَظْهَرُ فيما بيني وبينَه) .
1.بحار الأنوار ، ج ۳ ، ص ۵۲ .
2.البقرة (۲) : ۱۶۳ ، ومواضع اُخر .
3.الكافي ، ج ۱ ، ص ۸۰ ، ح ۵ .
4.نهج البلاغة ، ص ۲۷۱ ، الخطبة ۱۸۵ .