۰.إلهي لا تُؤَدِّبني بِعُقوبَتِكَ «1 » ولا تَمكُر بي في حيلَتِكَ «2 »
«الإله» جعلوه اسما لكلّ معبودٍ لهم ، فهو علم جنس لكلّ معبود ، لا بمعنى الوصف أي المعبود ، أصله من ألَهَ بمعنى عبد . وقيل : هو من اَلَه ؛ أي تحيّر ، ۱ وتسميته بذلك إشارة إلى ما قال أمير المؤمنين علي ـ صلوات اللّه عليه ـ : «كلَّ دون صفاته تحبير اللّغات ، وضلّ هناك تصاريف الصفات » . ۲
ذلك أنّ العبد إذا تفكّر في صفاته تحيّر فيها . وقيل : أصله ولاه ، فأُبدل من الواو همزة ، تسميته بذلك لكلّ مخلوق والها نحوه . وقيل : أصله من لاه يلوه لياها ، أي احتجب . ۳
«إلهي» أي يا اللّه . «لا تؤدّبْني» أدّبته أدبا ـ من باب ضرب ـ : علّمته رياض النفس ومحاسن الأخلاق ، قال أبو زيد : «الأدب يقع في كلّ رياضة محمودة يتخرّج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل» . ۴
«بعقوبتك» العقوبة والمعاقبة والعقاب يختصّ بالعذاب ، وعاقب فلانا بذنبه وعلى ذنبه معاقبةً وعقابا : أخذه به ، أي لا تعلّمني إصلاح نفسي بالعقوبة ؛ لأنّ ما يصيب الإنسان في الدنيا فهو تأديب : «وَ مَآ أَصَـبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ » ، ۵ سأل اللّه تعالى أن يؤدّبه [ أدبا ] لا عقوبة فيه ؛ لأنّ أسباب الإصلاح منه تعالى لا تنحصر في العقوبة ، بل يتوب اللّه تعالى على عبده فيتوب العبد ، كما قال عزّ شأنه : «ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ » ، ۶ ويهديه ويسدّده ويوفّقه ويكمّل عقله ويشرح صدره ويشفي قلبه من الأمراض الروحية ، وفي الدعاء : «وأمات قلبي عظيم جنايتي ، فأحيه بتوبةٍ منك». ۷
وفيه إشعار إلى طلب التأديب بألّا يتركه وهواه ، بل يراقبه ويواظبه ويهديه ويرشده ، وهو من ولاية اللّه سبحانه على عباده.
«ولا تمكر بي» المكر : صرف الغير عمّا يقصده بحيلة ، وذلك ضربان : مكر محمود ، وذلك أن يتحرّى لك فعل جميل ، وعلى ذلك قال : «وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَـكِرِينَ » ، ۸ ومذموم ، وهو أن يتحرّى به فعل قبيح ، قال تعالى : «وَ لَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَا بِأَهْلِهِ » . ۹
والحيلة : ما ويتوصّل به إلى حالةٍ مّا في خفيةٍ ، وأكثر استعمالها فيما تعاطيه خبث ، وقد تُستعمل فيما فيه حكمة ، ولهذا قيل في وصف اللّه عزّ وجلّ : «وَ هُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ » ، ۱۰ أي الوصول خفيةً من الناس إلى ما فيه حكمة ، وعلى هذا النحو وُصِف بالمكر والكيد ، لا على الوجه المذموم ، تعالى اللّه عن القبيح ، وفي الدعاء من الصحيفة السجّادية : «اللّهمّ وامكر لنا ولا تمكر بنا» ، ۱۱ وفي الدعاء : «ولا تمكر بي فيمن تمكر ب». ۱۲
قال السيّد رحمه الله في شرح الدعاء الخامس : «كد لنا ولا تكد علينا ، وامكر لنا ولا تمكر بنا» ۱۳ : قال بعض العلماء : «الكيد إرادة مضرّة الغير خفيّة ، وهو من الخلق الحيلة السيّئة ، ومن اللّه المتدبّر بالحقّ بمجازاة أعمال الخلق . والمكر من جانب العبد إيصال المكروه إلى الإنسان من حيث لا يشعر ، ومن جانب الحقّ هو إرداف النعم مع المخالفة ، وإبقاء الحال مع سوء الأدب ، وإظهار الكرامات من غير جهد» . ۱۴
وراجع الشرح أيضا في شرح الدعاء السابع والأربعين في شرح قوله عليه السلام «ولا تمكر بي فيمن تمكر به» ، ۱۵ وراجع روضة المتّقين ۱۶ ومرآة العقول ۱۷ في معنى مكر اللّه تعالى.
وبالجملة ، مكر اللّه تعالى ـ كما أشار إليه ـ هو إمهال اللّه تعالى عبده وتمكينه من إعراض الدنيا ، وإرداف النعم مع المخالفة ، ولعلّه لذلك قال أمير المؤمنين عليه السلام : «من وُسِّع له دنياه ولم يعلم أنّه مُكِرَ به ، فهو مخدوع عن عقله». ۱۸
فالمراد حينئذٍ ألّا يؤدّبه بالعقوبة ولا يتركه وهواه أن يصبّ عليهم النعم مردفا مع العصيان ، ويحتمل أن يكون المراد طلب الخاصّة حتّى لا يزيغ في المداحض الخفية والمزالّ الّتي يصعب دركها والاحتراز عنها.
وقال ابن الأثير : «مكر اللّه إيقاع بلائه بأعدائه دون أوليائه . وقيل : هو استدراج العبد بالطاعات ، فيتوهّم أنّها مقبولة وهي مردودة». ۱۹
قال الطبرسي رحمه الله بعد تفسير قوله تعالى : «أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ »۲۰ بعذابه سبحانه العبد : «وقيل : إنّ مكر اللّه استدراجه إيّاهم بالصحّة والسلامة وطول العمر وتظاهر النعمة». ۲۱
قال الزمخشري : «ومكر اللّه استعارة لأخذه العبد من حيث لا يشعر ولاستدراجه» . ۲۲
وقال العلّامة المجلسي رحمه الله في الروضة : «والمراد من المكر العذاب في الآخرة ، أو مع عذاب الدنيا ، أو الاستدراج بالنعم ، كلّما عمل العبد المعاصي ليستوجب بذلك كمال عذابه ، أو المجموع ، كما قال صلى الله عليه و آله : لا يأمن البيات من عمل السيّئات ، ويجب على العبد أن يكون خائفا من عذابه تعالى راجيا من رحمته». ۲۳
وبالجملة ، مكره تعالى عبده ، أخذه من حيث لا يشعر بأنواع الأخذ في الدنيا والآخرة ، والأمن من مكر اللّه تعالى عن المعاصي الكبيرة ، كما أنّ اليأس من روح اللّه أيضا من المعاصي الكبيرة ، والأوّل عبارة عن الأمن من عذابه ، أو أخذه عنه نعمه ، أو يستدرجه إمّا بإنكار قدرة اللّه على ذلك ، أو بإنكار علله بجعل نفسه من أولياء اللّه وأحبّائه ، أو الاعتقاد بأنّه لم يرتكب عملاً يسخط اللّه سبحانه ، كما قال تعالى : «وَ لَئِنْ أَذَقْنَـهُ رَحْمَةً... قَآئِمَةً وَ لَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّى إِنَّ لِى عِندَهُ لَلْحُسْنَى » . ۲۴
واليأس من روح اللّه عبارة عن اليأس من رحمته وغفرانه ، أو عدم اعتقاده بقدرته تعالى على كشف ضرّه ، قال سبحانه : «وَ لَئِنْ أَذَقْنَا الْاءِنسَـنَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَـهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئوسٌ كَفُورٌ » ، ۲۵ و «إِنَّهُ لَا يَاْيْئسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَا الْقَوْمُ الْكَـفِرُونَ » . ۲۶
1.اُنظر : لسان العرب : ج ۱۳ ص ۴۶۷ .
2.الكافي : ج ۱ ص ۱۳۴ ، التوحيد : ص ۴۱ ، مفردات ألفاظ القرآن : ص ۲۱ ، جواهر المطالب : ج ۱ ص ۳۴۶ ، بحار الأنوار : ج ۴ ص ۱۸۷ .
3.اُنظر : مفردات ألفاظ القرآن : ص ۲۱ .
4.اُنظر : البحر الرائق : ج ۶ ص ۴۲۸ .
5.الشورى : ۳۰ .
6.التوبة : ۱۱۸.
7.المناجاة الخمسة عشر : المناجاة الاُولى ، بحار الأنوار : ج ۹۴ ص ۱۴۲ ح ۲۱ .
8.آل عمران : ۵۴ .
9.فاطر : ۴۳ .
10.الرعد : ۱۳ .
11.الصحيفة السجّادية : ص ۴۴ الدعاء ۵ .
12.الصحيفة السجّادية : ص ۲۷۲ الدعاء ۴۷ .
13.الصحيفة السجّادية : ص ۲۷۲ الدعاء ۵ .
14.رياض السالكين : ج ۲ ص ۱۵۲ .
15.رياض السالكين : ج ۷ ص ۱۱۹ .
16.روضة المتّقين : ج ۹ ص ۲۵۶ .
17.مرآة العقول : ج ۱۰ ص ۱۴ .
18.مفردات ألفاظ القرآن : ص ۶۱ و ۴۷۱ «بلى» و «مكر» .
19.النهاية : ج ۴ ص ۳۴۹ .
20.الأعراف : ۹۹ .
21.مجمع البيان : ج ۴ ص ۳۱۵ ، عنه في بحار الأنوار : ج ۶۷ ص ۳۳۴ .
22.لم أعثر على قوله .
23.روضة المتّقين : ج ۹ ص ۲۵۶ .
24.فصّلت : ۵۰ .
25.هود : ۹ .
26.يوسف: ۸۷ ، اُنظر: وسائل الشيعة : ج ۱۱ ص ۲۵۲ حديث عبد العظيم الحسني ، و۲۵۴ حديث ابن سنان ، و۲۵۵ حديث مسعدة ، و ص ۲۶۱ حديث محض الإسلام ، و ۲۶۲ حديث الأعمش ، والوافي : ج ۵ ص ۱۰۴۹ ، ومرآة العقول: ج۱۰ ص۱۴ ، و ج۱ ص۶۶ في تفسير جنود العقل ، و جامع أحاديث الشيعة : ج ۱۳ ص ۳۵۱ ـ ۳۶۰ .