31
شرح دعاء أبي حمزة الثمالي

۰.لَا الَّذي أحسَنَ استَغنى عَن عَونِكَ ورَحمَتِكَ«6 »ولَا الَّذي أساءَ وَاجتَرَأَ عَلَيكَ«7 » ولَم يُرضِكَ خَرَجَ عَن قُدرَتِكَ «8 » يا رَبِّ يا رَبِّ يا رَبِّ «9 »ـ حَتّى يَنقَطِعَ النَّفَسُ ـ

هذه الفقرة بيان بأنّ من عمل الصالحات وأحسن في نيّته وعمله لم يستغن عن عون اللّه سبحانه وفضله ورحمته وتوفيقه ، ولعلّ ذلك من أجل أنّ اللّه تعالى إذا حاسب الإنسان حسابا دقيقا وعامله بعدله وأخذه بالصغيرة والكبيرة الجوارحيّة والجوانحية ، لم يخلص من عذابه ، ولم ينل الثواب والجزاء ، وفي الحديث «من حُوسب عُذّب» . ۱ وعن الصّادق عليه السلام في تفسير قوله تعالى : «وَ يَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ »۲ : أي الاستقصاء والمداقّة ، وقال : «تُحسب عليهم السيّئات ولا تُحسب لهم الحسنات». ۳
ويمكن أن يقال : إنّ المراد عدم الاستغناء عن عونه تعالى ؛ لأنّ الإنسان يعمل الصالحات ويتجنّب السيّئات بحوله وقوّته وتوفيقه وهدايته ، كذلك يحتاج إليه في حفظها من الحبط والبطلان وموانع القبول.
كما أنّ من أساء واجترأ على اللّه تعالى لم يخرج عن حيطة قدرته وسلطنته ، بل يأخذ حينما أراد أخذ عزيزٍ مقتدر ، فمن أحسن لا يمكن أن يغترّ ويترك الاستعانه منه تعالى ، والذي عصى لا ييأس من رحمته ، بل يجب عليه أن يتوب إلى اللّه تعالى ويستغفره.
أو أنّ الإنسان في كلّ حال يحتاج إلى توفيقٍ من اللّه سبحانه وتعالى في إدامة حسن العمل والإيمان ، فلو أحسن يوما لا يكفي ذلك أن يستعين اللّه في الاستدامة وعدم الانحراف عن الحقّ .
ولعلّه لأجل ذلك أمرنا أن نقول كلّ يوم في كلّ صلاة مرّات : «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَنَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَ طَ الْمُسْتَقِيمَ » ؛ لكيلا نزيغ عن الحقّ يمينا وشمالاً ، ومن لم يجعل له نورا فما له من نور.
«أحسن» أي أتى بالفعل الحسن ، وهو كما قال الراغب : «كلّ مبهج مرغوب فيه ... والحسنة عبارة عن كلّ ما يسرّ من نعمةٍ تنال الإنسان في نفسه وبدنه وأحواله ، والسيّئة تضادّها» ، ۴ والمراد هنا الأعمال الّتي رغب فيها الإسلام ، ويُثاب على فعلها الإنسان ، ويستحسنها العقل دون الهوى.
والاستغناء : الاكتفاء ، أي اكتفى بعمله بحيث لا يحتاج إلى عون اللّه تعالى.
«أساء» : أي أتى بالسّيئات ، يعني من أتى بالأعمال السيّئة لم يخرج عن قدرتك بأن تأخذه وتعاقبه.
«واجترأ» من اجترأ على القول بالهمز ، أي أسرع بالهجوم عليه من غير تروّ ، والاسم الجرأة كغرفة ، والجريء على فعيل ، وفي الدعاء : «لا تبتلينّي بجرأةٍ على معاصيك». ۵
«يا ربّ يا ربّ يا ربّ حتّى ينقطع النفس» الربّ تقدّم تفسيره ، ولعلّ النداء بلفظ الربّ وتكراره ، وكذا ما يحكيه عزّ وجلّ في القرآن عن الأنبياء عليهم السلام والمؤمنين في دعواتهم ومناجاتهم بهذه الكلمة ، لما اشتمل عليه من التوحيد في الخلق والتدبير والأمر والنهى ؛ لأنّ المشركين لم يكن شركهم في الخلق ؛ لأنّهم إذا سُئلوا من خلق السماوات والأرض؟ ليقولنّ اللّه ، بل كان شركهم في الربوبية والتدبير والإعطاء والمنع ، فالدعاء بكلمة الربّ نفي للأرباب والتدابير والضرّ والنفع دون اللّه تعالى ، فالدعاء باسم الربّ نفي للشرك بجميع معانيه ، ولعلّه لذلك تكرّر كلمة الربّ ومشتقّاتها في القرآن 865 مرّة تقريبا.
وفي الحديث عن أبي جعفر عليه السلام قال : «كان أبي يلحّ في الدعاء ، يقول : يا ربّ يا ربّ حتّى ينقطع النفس ، ثمّ يعود». ۶
وعن أبي عبداللّه عليه السلام قال : «إنّ العبد إذا قال : أي ربّ ثلاثا ، صيح من فوقه : لبّيك لبّيك ، سل حاجتك». ۷
وعن أبي عبداللّه عليه السلام قال : «من قال عشر مرّات : يا ربّ يا ربّ ، قيل له : لبّيك سل حاجتك». ۸
وعن أبي عبداللّه عليه السلام قال : «من قال : يا ربّ يا ربّ حتّى ينقطع النفس ، قيل له : لبّيك ما حاجتك؟». ۹

1.مسند ابن حنبل : ج ۶ ص ۱۰۸ و ۱۲۷ ، صحيح البخاري : ج ۱ ص ۳۴ ، سنن أبي داوود : ج ۲ ص ۵۶ ، سنن الترمذي : ج ۵ ص ۱۰۶ ، السنّة لأبي عاصم : ص ۴۱۶ ، صحيح ابن حبّان : ج ۱۶ ص ۳۶۹ ، اُنظر : بحار الأنوار : ج ۷ ص ۲۶۳ ح ۱۷ .

2.الرعد : ۲۱.

3.اُنظر : مجمع البيان : ج ۵ ص ۲۸۹ ، تفسير العيّاشي : ج ۲ ص ۲۱۰ ، تفسير نور الثقلين : ج ۲ ص ۴۹۶ ، بحار الأنوار : ج ۷ ، ص ۲۶۶ .

4.مفردات ألفاظ القرآن : ص ۱۱۸ .

5.مجمع البحرين : ج ۱ ص ۳۵۷ .

6.مشكاة الأنوار : ص ۲۱۶ ، بحار الأنوار : ج ۹۳ ص ۲۳۵ ، واُنظر : مستدرك سفينة البحار : ج ۴ في «ربب» .

7.بحار الأنوار : ج ۹۰ ص ۲۳۳ .

8.المصدر السابق : ج ۹۲ ص ۱۶۵ .

9.المصدر السابق : ج ۹۰ ص ۲۳۳.


شرح دعاء أبي حمزة الثمالي
30
  • نام منبع :
    شرح دعاء أبي حمزة الثمالي
    سایر پدیدآورندگان :
    هوشمند، مهدي
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    سازمان چاپ و نشر دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 497438
صفحه از 464
پرینت  ارسال به