353
شرح دعاء أبي حمزة الثمالي

شرح دعاء أبي حمزة الثمالي
352

۰.اللّهُمَّ إنّي أسأَلُكَ إيمانا تُباشِرُ بِهِ قَلبي«510 »ويَقينا حَتّى أعلَمَ أنَّهُ لَن يُصيبَني إلّا ما كَتَبتَ لي «511 »ورَضِّني مِنَ العَيشِ بِما قَسَمتَ لي يا أرحَمَ الرّاحِمينَ ۱ «512 »

«اللّهمّ» يا اللّه وقد مرّ الكلام فيها.
«إنّي أسألك» قال الراغب : «السؤال : استدعاء معرفة أو ما يؤدّي إلى المعرفة ، واستدعاء مال أو ما يؤدّي إلى المال ، فاستدعاء المعرفة جوابه على اللسان واليد خليفة له بالكتابة أو الإشارة ، واستدعاء المال جوابه على اليد واللسان خليفة لها إمّا بوعد أو بردّ... والسؤال للمعرفة يكون تارةً للاستعلام وتارةً للتبكيت ، وتعدّى إلى المفعول الثاني تارةً بنفسه وتارةً بالجار... وإذا كان السؤال لاستدعاء مال فإنّه يتعدّى بنفسه أو بمن . ۲
«إيمانا» الإيمان : إذعان النفس للحقّ على سبيل التصديق ، وذلك باجتماع ثلاثة أشياء : تحقيق بالقلب ، وإقرار باللّسان ، وعمل بحسب ذلك بالجوارح ، ويقال لكلّ واحد من الاعتقاد والقول الصدق والعمل الصالح إيمان ، ۳ والأخبار في تفسير الإيمان بما ذكرنا كثيرة . ۴
«تباشر به قلبي» ۵ باشر الرجل الأمر ؛ أي خالطه ولامسه ، وباشر الأمر : تولّاه بنفسه ، وباشره النعيم : فاض عليه كأنّه مسّ بشرته .
لعلّ المراد من هذه الجملة : إنّه عليه السلام سأل اللّه أن يعطيه إيمانا ، يتولّى اللّه تعالى بهذا الإيمان أي بسببه حفظ قلبه عن الشرك والكفر والإلحاد والعزم على المعاصي والخروج عن طاعة اللّه تعالى وبغض أوليائه وحبّ أعدائه ، إلى غير ذلك من تقلّبات القلب وأحواله.
وللعلّامة المجلسي رحمه الله كلام في معنى الحديث لا بأس بإيراده وإن طال ، قال رحمه الله :
«فهذه الفقرة تحتمل وجوها :
الأوّل : أن يكون المعنى تجده في قلبي ، ولا يكون إيمانا ظاهريّا بمحض اللسان ، وهذا ما فهم أكثر مشايخنا ، ولعلّ وجه الدلالة أنّ من طلب شيئا من موضع ووجده فيه أو في محلّ لا يكون غالبا إلّا بأن يدخل الموضع أو يباشر الشيء الذي قام ذلك الشيء به بكفّه ، فعبّر عن كون الإيمان في القلب بمباشرة اللّه القلب بسببه ، أي إيمانا تباشر بسبب ذلك الإيمان وتفحّصه والعلم به قلبي.
والثاني : أن يكون عبارة عن استقرار الإيمان وثباته وعدم كونه مستودعا ، فالمراد إمّا مباشرته به ووجدانه فيه دائما ، أو إشارة إلى أنّ الإيمان القلبي لا يزول والمستودع لا يكون قلبيا.
الثالث : أن يكون المعنى أسألك إيمانا كاملاً تكون بسبب ذلك الإيمان مباشرا لقلبي مستقرّا فيه ، أي يكون محلّاً لمعرفتك وحبّك ، كما ورد في الخبر : قلب المؤمن عرش الرحمن .
الرابع : أن يكون المعنى أسألك إيمانا ثابتا تجده في قلبي يوم لقائك ، أي عند الموت أو في القيامة.
الخامس : أن يكون المعنى أسألك إيمانا كاملاً تكون بسببه مالكا لأزّمة نفسي مدبّرا لأُمور قلبي ، كما ورد : قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلّبه كيف يشاء ، وخاطب سبحانه مقرّبي جنابه بقوله : «وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللّه ُ » . ۶
السادس : أن يكون المعنى أسألك إيمانا كاملاً يقينيّا يباشر قلبي ، ويراك على سبيل القلب ، كما ورد : اعبد اللّه كأنّك تراه ، وقال أمير المؤمنين عليه السلام : لم أكن أعبد ربّا لم أره ، وقال : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا .
السابع : ما قيل : أي تلي بإثباته قلبي بنفسك ، يقال : باشر للأمر إذا وليه بنفسه.
الثامن : أن تكون الباء للتعدية ، أي تجعله مباشرا لقلبي مستقرّا فيه ، وأكثر هذه الوجوه ممّا خطر بالبال ، واللّه أعلم بأسرار تلك الفقرة» . ۷
«ويقينا حتّى أعلم أنّه لا يصيبني إلاّ ما كتبت لي» أي أسألك يقينا ، واليقين من صفة العلم فوق المعرفة والدراية وأخواتها ، يقال : علم يقين ، ولا يقال : معرفة يقين ، وهو سكون الفهم مع ثبات الحكم ، وقال : «علم اليقين» و«عين اليقين» و«حقّ اليقين» وبينها فروق . ۸
جعل بعض المحقّقين لليقين ثلاث درجات : الأُولى : علم اليقين ، وهو العلم الذي حصل بالدليل ، كمن علم وجود النار برؤية الدخّان . والثانية : عين اليقين وهو إذا حصل إلى حدّ المشاهدة ، كمن رأى النار . والثالثة : حقّ اليقين ، وهو كمن دخل النار واتّصف بصفاتها . ۹
في الكافي عن الوشّاء ، عن أبي الحسن عليه السلام ، قال سمعته يقول : «الإيمان فوق الإسلام بدرجة ، والتقوى فوق الإيمان بدرجة ، واليقين فوق التقوى بدرجة ، وما قسّم في الناس شيء أقلّ من اليقين» ، ۱۰ والأخبار في اليقين والإيمان ودرجاتهما كثيرة. ۱۱
«حتّى أعلم أنّه لا يصيبني إلّا ما كتبت لي» بيان لغاية درجات اليقين ، وفي الحديث عن الرضا عليه السلام قال يونس : «قلت : فأيّ شيء اليقين؟ قال : التوكّل على اللّه والتسليم للّه والرضا بقضاء اللّه والتفويض إلى اللّه » ، ۱۲ وفي حديثٍ آخر عن أبي عبد اللّه عليه السلام : «من صحّة يقين المرء المسلم ألّا يُرضي الناس بسخط اللّه ، ولا يلومهم على ما لم يؤته اللّه ، فإنّ الرزق لا يسوقه حرص حريص ولا يردّه كراهيّة كاره ، ولو أنّ أحدكم فرّ من رزقه كما يفرّ المرء من الموت لأدركه رزقه ، كما يدركه الموت ، ثمّ قال : إنّ اللّه بعدله وقسطه جعل الروح والراحة في اليقين والرضا ، وجعل الهمّ والحزن في الشكّ والسخط». ۱۳
كتبت لي : أي قدّرته لي ، وقال العلّامة المجلسي رحمه الله : «ويقينا أي بالقضاء والقدر ، وقد مرّ في باب اليقين أنّه يطلق غالبا على الإيمان الكامل بذلك ، ولذا قال : حتّى أعلم أنّه لا يصيبني إلّا ما كتبت لي ، وهو إشارة إلى قوله تعالى : «قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاّ ما كَتَبَ اللّه ُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللّه ِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ » ، ۱۴ وقيل : حتّى أعلم ، أي أعمل بمقتضى علمي ، وهو التوكّل ، كما قال تعالى ـ بعد قوله قل لن يصيبنا ـ : «وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ » ، وقد يطلق اليقين على الإيمان الكامل بجميع العقائد الإيمانية ، بحيث يظهر على الجوارح آثاره ، وقال المحقّق الطوسي رحمه الله في أوصاف الأشراف : «اليقين هو العلم بالحقّ مع العلم بأنّه لا يكون غيره ، فهو مركّب من علمين ، إلّا ما كتبت لي أي في اللّوح ، أو هو كناية عن القضاء والقدر وهو لا ينافي مدخليّة العبد واختياره في بعضها ، أو هو في غير التكاليف ، وقدّ مرّ تحقيقه في أبواب العدل» . ۱۵
«ورضّني من العيش بما قسمت لي» أي أعطني الرضا بما قسمت لي في تقديرك ، وفي الحديث عن أبي عبد اللّه عليه السلام : «إنّ أعلم الناس باللّه أرضا هم بقضاء اللّه (عزّ وجلّ)». ۱۶
وعن أمير المؤمنين عليه السلام : «الإيمان أربعة أركان : الرضا بقضاء اللّه ، والتوكّل على اللّه ، وتفويض الأمر إلى اللّه ، والتسليم لأمر اللّه » ، ۱۷ وعن أبي عبد اللّه عليه السلام : «رأس طاعة اللّه الصبر والرضا عن اللّه فيما أحبّ أو كره ، ولا يرضى عبد عن اللّه فيما أحبّ أو كره إلّا كان خيرا له فيما أحبّ أو كره» . ۱۸
هذا آخر ما أردنا إيراده في شرح هذا الدعاء ، والحمد للّه أوّلاً وآخرا ، وظاهرا وباطنا ، ولا حول ولا قوّة إلّا باللّه .
وكان الفراغ من تسويد هذه الأوراق في الثالث عشر من ذي القعدة الحرام من العام العشرين وأربعمئة بعد الألف من الهجرة النبويّة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ، وعلى آله الطاهرين ، الموافق الثلاثون من بهمن 1378 الشمسية ، وأنا العبد الحقير الآثم علي بن حسين علي بن أحمد بن عليّ ، وأسأله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه الكريم . اللّهمّ اغفر لي ولوالديّ ولآبائي وأُمّهاتي وأعمامي وعمّاتي وأخوالي وخالاتي ، ولمن له حقّ عليّ ولجميع المؤمنين والمؤمنات ، آمين ربّ العالمين بحقّ محمّد وآله الطاهرين .

1.مصباح المتهجّد : ص ۵۸۲ ح ۶۹۱ ، الإقبال : ج ۱ ص ۱۵۷ ، المصباح للكفعمي : ص ۷۸۱ ، البلد الأمين : ص۲۰۵ ، بحار الأنوار : ج ۹۸ ص ۸۲ ح ۲ .

2.اُنظر : مفردات ألفاظ القرآن : ص ۲۵۰ .

3.اُنظر : المصدر السابق : ص ۲۶ .

4.اُنظر : بحار الأنوار : ج ۶۶ ص ۱۸ ـ ۱۴۶ .

5.وفي الدعاء نفس هذه الجملة ، اُنظر : بحار الأنوار : ج ۸۳ ص ۲۸۹ ، عن الكافي ، وفيمرآة العقول : ج ۱۲ ص۲۳۰ ، وفي بحار الأنوار : ج ۸۷ ص ۶۷ ، وج ۹۵ ص ۱۵۴ «وأن تهب لي يقينا تباشر به قلبي » .

6.الإنسان : ۳۰.

7.مرآة العقول : ج ۱۲ ص ۲۳۰ ـ ۲۳۱.

8.اُنظر : مفردات ألفاظ القرآن : ص ۵۵۲ .

9.اُنظر : بحار الأنوار : ج ۶۷ ص ۱۳۵ .

10.الكافي : ج ۲ ص ۵۱ ، بحار الأنوار : ج ۶۷ ص ۱۳۶ .

11.اُنظر : بحار الأنوار : ج ۶۷ ص ۱۳۰ ـ ۱۸۴ .

12.الكافي : ج ۲ ص ۵۲ ، التمحيص : ص ۶۲ ، مشكاة الأنوار : ص ۴۴ ، اُنظر : بحار الأنوار : ج ۶۷ ص ۱۳۸.

13.الكافي : ج ۲ ص ۵۷ ، التمحيص : ص ۵۲ ، تحف العقول : ص ۳۷۷ ، اُنظر : بحار الأنوار : ج ۷۵ ص ۲۶۳.

14.التوبة : ۵۱ .

15.أوصاف الأشراف : ص ۷۷ .

16.الكافي : ج ۲ ص ۶۰ ، التمحيص : ص ۶۰ ، مشكاة الأنوار : ص ۷۳ ، مسكّن الفؤاد : ص ۸۲ ، اُنظر : بحار الأنوار : ج ۶۸ ص ۱۵۸ .

17.الكافي : ج ۲ ص ۵۶ ، تحف العقول : ص ۴۴۵ ، اُنظر : بحار الأنوار : ج ۶۸ ص ۱۳۵ .

18.الكافي : ج ۲ ص ۶۰ ، مشكاة الأنوار : ص ۷۳ ، مسكّن الفؤاد : ص ۸۲ ، اُنظر : بحار الأنوار : ج ۶۸ ص ۱۵۸.

  • نام منبع :
    شرح دعاء أبي حمزة الثمالي
    سایر پدیدآورندگان :
    هوشمند، مهدي
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    سازمان چاپ و نشر دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 497442
صفحه از 464
پرینت  ارسال به