ثمّ قال : تخيّروا عفيفةً طاهرة النفس لنطفكم التي يَخلق اللّه منها أولادكم ؛ أي : لا تضعوا ماءكم في أرحام الفواجر ؛ فإنّ أولادكم منهنّ، يتخلَّقون ۱ بأخلاقهنّ ؛ أي : تكلّفوا طلب ما هو خير المناكح وأزكاها وأبعدها من الخبث والفجور .
وبيان الخبر السابع في تمامه وهو : قالوا : يا رسول اللّه ، وما هادم اللذَّات؟ قال : «الموت» ؛ وإنّما أمر بهذا الذِّكر ليكون المكلّف صاحياً ۲ عن سكرة الغفلة ومتيقّظاً بسبب مراقبة الموت .
وللخبر الثامن معانٍ :
أحدها : أنّه قال : أعطوا النفس حقّها من لذّاتٍ مباحةٍ ، وإذا تَعِبَتْ من كثرة الصلاة والعبادة فأريحوها ساعةً ، ونفّسوا عنها خِناقها ۳ ؛ فإنّ النفس تقوى بالنوم [في ]غير معصيةٍ لإحمام ۴ القلوب من أعمال أهل الخير وفعل الصُّلحاء وعلامة المؤمنين .
والثاني : أنّ معناه : روّحوا القلوب من هموم الدُّنيا بادّكار الآخرة ؛ فإنّ من كان فقيراً وهو مؤمنٌ فإذا تفكّر في نِعم اللّه المدّخرة له وثوابه يستريح قلبه .
والثالث : أنّه يعني : روِّحوا من ذكر الآخرة بذكر الآخرة ؛ لأنّ المؤمنين إذا داوموا على ذكر النار وشدائدها وأهوالها والعقوبات التي تكون لأهلها والصراط والحساب والقبر ملّتْ قلوبهم ، فعليهم أن يروّحوا بذكر درجات الجنّة وما أعدَّ اللّه فيها قلوبَهم ، فيكون [المعنى] : رَوِّحوا القلوب بالذِّكر ؛ لأنّ النبيّ عليه السلام لا يقول : اغفلوا عن ذكر اللّه ؛ وقد قال اللّه : « اذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا »۵ .
1.في المخطوطة : «يتخلَّقوهن» .
2.صحا السَّكران مِن سُكره يَصحو صَحْوا، فهو صاحٍ، وأصحى: ذهب سُكره، «لسان العرب، ج ۱۴، ص ۴۵۳ (صحو)».
3.المختَنَق : المَضيق ، ومختنق الشِّعب : مَضيقه ، والخانيق : مَضيق في الوادي ... وأخذت بمُخنَّقه أي موضع الخِناق ... وكذلك الخِناق والخُناق ، يقال : أخذ بخُناقه ، ومنه اشتقّت المِخنقة من القلادة ... وهم في خُناق من الموت أي في ضيق . «لسان العرب ، ج ۱۰ ، ص ۹۳ (خنق)» .
4.أحَمَّ الرجُلُ ، فهو يُحِمّ إحماما ، وأمرٌ محمٌّ ، وذلك إذا أخذك منه زمع واهتمام ... يقال : أحمَّت الحاجة ، إذا أهمّت ولزمت «لسان العرب ، ج ۱۲ ، ص ۱۵۲ (حمم)» .
5.الأحزاب (۳۳) : ۴۱ .