317
ضياء الشّهاب في شرح شِهاب الأخبار

ثمّ قال : تخيّروا عفيفةً طاهرة النفس لنطفكم التي يَخلق اللّه منها أولادكم ؛ أي : لا تضعوا ماءكم في أرحام الفواجر ؛ فإنّ أولادكم منهنّ، يتخلَّقون ۱ بأخلاقهنّ ؛ أي : تكلّفوا طلب ما هو خير المناكح وأزكاها وأبعدها من الخبث والفجور .
وبيان الخبر السابع في تمامه وهو : قالوا : يا رسول اللّه ، وما هادم اللذَّات؟ قال : «الموت» ؛ وإنّما أمر بهذا الذِّكر ليكون المكلّف صاحياً ۲ عن سكرة الغفلة ومتيقّظاً بسبب مراقبة الموت .
وللخبر الثامن معانٍ :
أحدها : أنّه قال : أعطوا النفس حقّها من لذّاتٍ مباحةٍ ، وإذا تَعِبَتْ من كثرة الصلاة والعبادة فأريحوها ساعةً ، ونفّسوا عنها خِناقها ۳ ؛ فإنّ النفس تقوى بالنوم [في ]غير معصيةٍ لإحمام ۴ القلوب من أعمال أهل الخير وفعل الصُّلحاء وعلامة المؤمنين .
والثاني : أنّ معناه : روّحوا القلوب من هموم الدُّنيا بادّكار الآخرة ؛ فإنّ من كان فقيراً وهو مؤمنٌ فإذا تفكّر في نِعم اللّه المدّخرة له وثوابه يستريح قلبه .
والثالث : أنّه يعني : روِّحوا من ذكر الآخرة بذكر الآخرة ؛ لأنّ المؤمنين إذا داوموا على ذكر النار وشدائدها وأهوالها والعقوبات التي تكون لأهلها والصراط والحساب والقبر ملّتْ قلوبهم ، فعليهم أن يروّحوا بذكر درجات الجنّة وما أعدَّ اللّه فيها قلوبَهم ، فيكون [المعنى] : رَوِّحوا القلوب بالذِّكر ؛ لأنّ النبيّ عليه السلام لا يقول : اغفلوا عن ذكر اللّه ؛ وقد قال اللّه : « اذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا »۵ .

1.في المخطوطة : «يتخلَّقوهن» .

2.صحا السَّكران مِن سُكره يَصحو صَحْوا، فهو صاحٍ، وأصحى: ذهب سُكره، «لسان العرب، ج ۱۴، ص ۴۵۳ (صحو)».

3.المختَنَق : المَضيق ، ومختنق الشِّعب : مَضيقه ، والخانيق : مَضيق في الوادي ... وأخذت بمُخنَّقه أي موضع الخِناق ... وكذلك الخِناق والخُناق ، يقال : أخذ بخُناقه ، ومنه اشتقّت المِخنقة من القلادة ... وهم في خُناق من الموت أي في ضيق . «لسان العرب ، ج ۱۰ ، ص ۹۳ (خنق)» .

4.أحَمَّ الرجُلُ ، فهو يُحِمّ إحماما ، وأمرٌ محمٌّ ، وذلك إذا أخذك منه زمع واهتمام ... يقال : أحمَّت الحاجة ، إذا أهمّت ولزمت «لسان العرب ، ج ۱۲ ، ص ۱۵۲ (حمم)» .

5.الأحزاب (۳۳) : ۴۱ .


ضياء الشّهاب في شرح شِهاب الأخبار
316

ادّعى الإسلام ، وإذا رأى قول إنسان وفعل كليهما موافقاً للقرآن أنزله منزلته وحكم بإيمانه على ما هو مأمور به ومتعبّد ، فحذّر عليه السلام المنافقين من المؤمنين وقد ضَمِن اللّه ذلك للمؤمنين فقال : « إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا »۱ ؛ أي ما يفرّقون به بين الحقّ والباطل .
وروي [أنّ] أعرابياً جاء إلى رسول اللّه [ صلى الله عليه و آله ] فقال : «إنّ ناقتي هذه حاملةٌ منك يا أعرابيّ» ، فقال عليه السلام : «احذروا فراسة المؤمن ؛ فإنّه ينظر بنور اللّه » . ۲
ويؤيّد هذا قوله عليه السلام : «المؤمنون شهداء اللّه في الأرض ، فما رآه المؤمنون حسناً فهو عند اللّه حسن ، وما رآه المؤمنون قبيحاً فهو قبيح ، وما رأوه سيّئاً فهو سيّئ» . ۳
ومعنى الخبر الثالث : تجنّبوا من إنفاق الحرام في رفع البُنيان ؛ فإنّكم وضعتُم لَبِنَةً واحدةً منه في أساس قصرٍ ؛ فإنّها تُخرِّبُ القصر ، ويكون عاقبته راجعةً إلى الخراب ، فكان ذلك الحرام الذي اُنفق في ذلك البناء أو تلك اللبنة التي وضعت في قاعدته أساسٌ للخراب ، والاُسُّ والأساس أصل البناء ، وجمعها آساس بالمدّ . ۴
ثمّ أمر كلَّ أحدٍ بإكرام أولاده وإحسان آدابهم ، والإحسان في آدابهم أن يأمرهم بالخير وبطاعة اللّه .
وقيل : هي الطريقة التي يتحسّن في آداب الدِّين والدُّنيا ، وهي على أنواعٍ شتّى ، والأدب أصله الدُّعاء .
وقد ذكرنا بيان قوله : «قولوا خيراً تغنموا» ، ويزيده بياناً ما روي أنّه قيل لبعض العلماء : لِمَ لا تتكلّم؟ قال : أسمعُ فأعلم ، وأسكتُ فأسلَمُ .

1.الأنفال (۸) : ۲۹ .

2.راجع : الكافي ، ج ۱ ، ص ۲۱۸ ، ح ۳ ؛ المحاسن ، ج ۱ ، ص ۱۳۱ ، ح ۱ ؛ بصائر الدرجات ، ص ۹۹ ، ح ۱ ؛ و ص ۳۷۵ ، ح ۴ ؛ علل الشرائع ، ج ۱ ، ص ۱۷۴ ، ح ۱ .

3.روضة الواعظين ، ص ۳۰۴ (فيه إلى قوله : «فهو قبيح» مع اختلاف يسير) ؛ ذكرى الشيعة ، ص ۴۴۷ (فيه إلى قوله «الأرض») ؛ بحارالأنوار ، ج ۲۲ ، ص ۴۵۰ (وفيه عن روضة الواعظين) ؛ تاريخ مدينة دمشق ، ج ۵۳ ، ص ۲۲۴ ، ح ۳ .

4.الاُسّ والأساس : أصل البناء ، والأسَس مقصور منه ، وجمع الاُسّ إساس مثل عُسّ وعِساس ، وجمع الأساس اُسُس مثل قَذال وقُذُل ، وجمع الأسَسَ آساس مثل سبب وأسباب . «لسان العرب ، ج ۶ ، ص ۶ (أسس)» .

  • نام منبع :
    ضياء الشّهاب في شرح شِهاب الأخبار
    سایر پدیدآورندگان :
    تحقیق: سليماني الاشتياني،مهدي
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    سازمان چاپ و نشر دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1389
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 230762
صفحه از 627
پرینت  ارسال به