103
الصّحیح من مقتل سیّد الشّهداء و أصحابه علیهم السّلام

ثالثاً : اتّباع العواطف‏

من خلال دراسة المراحل المختلفة من حياة الكوفة ، يمكننا أن نلاحظ هذه الخصوصيّة بوضوحٍ فيها . ويمكن اعتبار السبب الرئيس لهذه الخصوصية هو عدم ترسّخ الإيمان في قلوبهم ، وبالطبع فإنّنا لا يمكن أن نتوقّع سلوكاً آخر من الأشخاص والقبائل الذين اعتنقوا الإسلام بعد أن رأوا قدرته وسطوته فخرجوا للحرب من أجل دنياهم .
وربّما كان اشتهار أهل الكوفة بالغدر والخديعة وعدم الوفاء بحيث أدّى إلى ظهور أمثالٍ ذائعةٍ، نظير : «أغدر من كوفيّ» ۱ ، أو «الكوفي لا يوفي» ۲ ناجماً عن هذه الخصوصية المتمثّلة في اتّباعهم لأحاسيسهم وعواطفهم .

1.الفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي : ص ۴۵ .

2.آثار البلاد (بالفارسية) لزكريا القزويني : ص ۳۰۷ .


الصّحیح من مقتل سیّد الشّهداء و أصحابه علیهم السّلام
102

ثانياً : حبّ الدنيا

رغم أنّ الكثير من مسلمي صدر الإسلام شاركوا في الفتوح الإسلامية بنوايا خالصة ومن أجل كسب مرضاة الخالق ، ولكنّ الأشخاص والقبائل الذين كانوا يشاركون في هذه الحروب بهدف الحصول على الغنائم الحربية لم يكونوا بالقليلين ، فلم يكونوا مستعدّين للتخلّي عن دنياهم بعد إقامتهم في الكوفة ، وكانوا يتراجعون بمجرّد أن يشعروا بأنّ الخطر يهدّد دنياهم ، وعلى العكس من ذلك ، فإنّهم كانوا يدخلون فوراً في كلّ أمر يدرّ عليهم الفوائد .
والشاهد الصادق على ذلك مشاركة أهل الكوفة في معركتي الجمل وصفّين ، ففي معركة الجمل حينما سار الإمام عليّ عليه السلام من المدينة باتّجاه العراق عام 36 للهجرة لمواجهة المتمرّدين المتواجدين في البصرة ، طلب المساعدة من الكوفيّين ، ولكنّ الكوفيّين الذين كانوا يرون أنّ حكومة عليّ عليه السلام مازالت فتيّة ، وكانوا يشعرون بالقلق إزاء مصير الحرب ، خاصّة وأنّ جيش البصرة كان يتفوّق عدداً ، سعوا لأن يتملّصوا من هذه الدعوة ، وبعد الإعلام والتشجيع الواسع النطاق لم يشارك أخيراً في هذه الحرب سوى اثني عشر ألفاً ، أي حوالي 10% من القادرين على القتال في الكوفة ۱ ، وبعد نهاية الحرب ، كان من جملة اعتراضات نخبهم وخواصّهم ، عدم تقسيم الغنائم من قبل عليّ عليه السلام . ۲
وأمّا في معركة صفّين فقد أظهر أهل الكوفة رغبة أكبر في المشاركة ، بعد أن رأوا حكومة عليّ عليه السلام قد التأم شملها ، وبعد أن كان يحدوهم أمل كبير في الانتصار ، بحيث ذكرت المصادر أنّ عدد جنوده عليه السلام في هذه المعركة بلغ ما بين 65 إلى 120 ألف مقاتل ۳ . وكان عدد الذين شاركوا فيها من غير أهل الكوفة قليلاً للغاية .
ويمكن أن نبرّر كثرة مبايعي مسلم استناداً إلى هذا المبدأ أيضاً ، رغم أنّ الأشخاص المخلصين بينهم لم يكونوا يشكّلون سوى أقلّية .
فكان أهل الكوفة آنذاك يرون من جهةٍ أنّ حكومة الشام المركزيّة ابتُليت بالضعف بسبب موت معاوية ونزق يزيد ، ولم يكونوا يرون من جهة اُخرى أنّ «النعمان بن بشير» قادرٌ على مواجهة ثورة عارمة ، ولذلك فإنّ أهل الكوفة سرعان ما رحّبوا بتجمّع عدد من الشيعة المخلصين بقيادة «سليمان بن صرد الخزاعي» وعرض دعوة الإمام الحسين عليه السلام ، وإقامة الحكومة في الكوفة من قبلهم ؛ لأنّهم كانوا يرون أنّ الانتصار وإقامة الحكومة محتملان إلى حدٍّ كبير .
ولم يفقدوا الأمل بالانتصار حتّى بعد وصول عبيد اللَّه إلى الكوفة ، ولذلك فقد شارك عددٌ كبير منهم مع مسلم في محاصرة قصر عبيد اللَّه ، ولكنّهم سرعان ما خذلوا الثورة عندما شعروا بالخطر ، وسلّموا مسلماً وهانياً بيد عبيد اللَّه !
وقد اشتدّ هذا الاحساس بالخطر عندما انتشرت بين الناس شائعة تحرّك جيش الشام من قبل أنصار عبيد اللَّه ، حيث يمكن اعتبار سبب الخوف من جيش الشام تعلّق أهل الكوفة بالدنيا ۴ .

1.تاريخ الطبري : ج ۴ ص ۵۰۰ .

2.تاريخ الطبري : ج ۴ ص ۵۴۱ .

3.تاريخ الطبري : ج ۵ ص ۸۰ ، مروج الذهب : ج ۲ ص ۳۸۴ .

4.تاريخ الطبري : ج ۵ ص ۳۶۹- ۳۷۱ وراجع : هذا الكتاب : ص ۴۳۸ (الفصل الرابع / اعتقال هانئ وما جرى عليه) وص ۴۵۰ (محاصرة مسلم و أصحابه قصر ابن زياد) وص ۴۵۹ (تفرّق الناس عن ابن عقيل) .

  • نام منبع :
    الصّحیح من مقتل سیّد الشّهداء و أصحابه علیهم السّلام
عدد المشاهدين : 156608
الصفحه من 850
طباعه  ارسل الي