129
الصّحیح من مقتل سیّد الشّهداء و أصحابه علیهم السّلام

3 . الروايات المشينة

يمثّل الحسين بن عليّ عليه السلام مظهر العزّة الإلهية، وتعدّ عاشوراء رمز الملحمة والعزّة الحسينية، وشعار «هيهات منّا الذلّه» الذي من شأنه أن يهزم الأعداء، هو تراثه النفيس، وقد روي في المصادر المعتبرة أنّه عليه السلام خاطب الأعداء في خطبة ملحمية في يوم عاشوراء قائلاً :
ألا وإنَّ الدَّعِيَّ ابنَ الدَّعِيِّ قَد رَكَزَ بَينَ اثنَتَينِ ؛ بَينَ السِّلَّةِ وَالذِّلَّةِ ، وهَيهاتَ مِنّاالذِّلَّةُ ، يَأبَى اللَّهُ لَنا ذلِكَ ورَسولُهُ وَالمُؤمِنونَ ، وحُجورٌ طابَت ، وحُجورٌ طَهُرَت ، واُنوفٌ حَمِيَّةٌ ونُفوسٌ أبِيَّةٌ۱، مِن أن تُؤثَرَ طاعَةُ اللِّئامِ عَلى‏ مَصارِعِ الكِرامِ‏ . ۲
كما قال - مجيباً للقائلين له: لا نخلّيك حتّى تضع يدك في يد عبيد اللَّه بن زياد - :
لا وَاللَّهِ ، لا اُعطي بِيَدي إعطاءَ الذَّليلِ ، ولا أفِرُّ فِرارَ العَبيدِ ،(إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَ رَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ)،۳(إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَ رَبِّكُم مِّن كُلِ‏ّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ)۴. ۵
وبناءً على ذلك ؛ فإنّ كلّ روايةٍ عن تاريخ عاشوراء تدلّ على قبوله الذلّة ، إنّما هي من أكاذيب الأعداء وانتحالاتهم ، مثلما روي من أنّه عليه السلام قال:
اِختاروا مِنّي خِصالاً ثَلاثاً : إمّا أن أرجِعَ إلَى المَكانِ الَّذي أقبَلتُ مِنهُ ، وإمّا أن أضَعَ يَدي في يَدِ يَزيدَ بنِ مُعاوِيَةَ ، فَيَرى‏ فيما بَيني وبَينَهُ رَأيَهُ ، وإمّا أن تُسَيِّروني إلى‏ أيِّ ثَغرٍ مِن ثُغورِ المُسلِمينَ شِئتُم ، فَأَكونَ رَجُلاً مِن أهلِهِ ، لي ما لَهُم ، وعَلَيَّ ما عَلَيهِم‏ . ۶
أو ما نسبه إليه في كتاب نور العين من أنّه قال لشمر بن ذي الجوشن عندما همّ بقتله :
إذاً ولابدّ من قتلي فاسقني شربة ماءٍ! فقال : هيهات أن تذوق الماء ، بل تذوق الموت غصّةً بعد غصّةٍ ، وجرعةً بعد جرعةٍ . ۷إن مثل هذه الروايات تخالف اُصول عقائد الشيعة بشأن المكانة السامية لأهل بيت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله فضلاً عن أنّها تتنافى مع محكمات تاريخ عاشوراء ومواقف الإمام طيلة حياته المليئة بالمفاخر . ۸
وعلى هذا الأساس فإنّ من آفات مجالس عزاء سيّد الشهداء هي إنشاد المراثي المهينة له عليه السلام ، وعلى الخطباء المخلصين لأهل البيت عليهم السلام أن يتجنّبوا كلَّ كلامٍ أو تعبيرٍ يدلّ على إظهار الإمام عليه السلام أو أهل بيته للذلّة في حادثة عاشوراء. وقد نقل المحدّث النوري ۹ في هذا المجال في كتاب «اللؤلؤ والمرجان» رؤيا صادقة - مثيرة حقّاً - لأحد الخطباء المعروفين من دون ذكر اسمه .

1.الجدير بالذكر أنّ التعبير عن الإمام الحسين عليه السلام ب «ذى النفس الأبيّة» قد صدر من أعدائه ومناوئيه أيضاً (راجع : ص ۷۳۸ ح ۷۹۶) .

2.راجع : ص‏۷۹۴ ح‏۸۵۸ .

3.الدخان: ۲۰ .

4.غافر: ۲۷ .

5.راجع : هذا الكتاب : ص ۷۸۷ (القسم الخامس / الفصل الثاني / احتجاجات الإمام عليه السلام على جيش الكوفة) .

6.راجع : ص‏۷۲۲ ح‏۷۶۹ .

7.نور العين للإسفرايني : ص ۵۰ .

8.لمزيد من الاطلاع حول محكمات تاريخ عاشوراء ومواقف الإمام الحسين عليه السلام راجع : موسوعة الإمام الحسين عليه السلام ، نگاهي نو به جريان عاشوراء (مجموعه مقالات) ، نهضت عاشوراء (جستارهاي كلامي ، سياسي ، وفقهي) ، مجموعه مقالات كنگره بين المللي امام خميني وفرهنگ عاشوراء (۸ ج) ، حماسه حسيني ، قيام جاودانه ، نگاهي به حماسه حسيني ، عاشوراء شناسي ، عاشوراء پژوهي (كلّها بالفارسيّة) .

9.المراد به هو الميرزا حسين النوري الطبرسي (ت ۱۳۲۰ ه ) .


الصّحیح من مقتل سیّد الشّهداء و أصحابه علیهم السّلام
128

2 . الاعتماد على المصادر غير المعتبرة

من الآفات التي تهدّد شعائر عزاء الإمام الحسين عليه السلام - خاصّةً في القرون الأخيرة - اعتماد الخطباء ومنشدي المراثي على المصادر الضعيفة وغير الصالحة للاعتماد . ۱
والملاحظة الجديرة بالاهتمام هي أنّ تاريخ عاشوراء يتمتّع بالمصادر المعتبرة الصالحة للاعتماد أكثر من أيّ موضوع آخر، بل إنّ المثقّفين والواعين من الخطباء الحسينيّين ليسوا بحاجة إلى الاعتماد على المصادر الضعيفة ، كما يقول الشهيد المطهّري :
لو قرأ شخصٌ تاريخ عاشوراء فسوف يرى‏أنّه من‏أكثر التواريخ حيوية وتوثيقاً، ومن أكثرها غزارة في المصادر. وكان المرحوم الآخوند الخراساني۲يقول : إنّ الذين يبحثون عن المصائب غير المسموعة، عليهم أن يبحثوا عن المصائب الصادقة التي لم يسمع بها أحد۳.
ويرى عدد من منشدي المراثي أنّ كلّ ما طُبع ونُشر فهو صالح للاعتماد ، ولا يلحظون قيمة المصدر! يقول المؤلّف الفاضل لكتاب «اللؤلؤ والمرجان» حول بعض المواضيع غير الصحيحة التي اُضيفت إلى زيارة وارث المعتبرة :
رأيت ذات يوم أحد طلبة العلوم الدينية وهو يتلو الأكاذيب القبيحة في مصائب الشهداء ، فوضعت يدي على كتفه، فالتفت إليَّ فقلت له : أليس بقبيح على أهل العلم أن يقولوا مثل هذه الأكاذيب في مثل هذا المكان؟! فقال: أوَليست مروية؟ فتعجّبت وقلت: لا، فقال: رأيتها في كتابٍ، قلتُ : في أيّ كتاب؟ قال: مفتاح الجنان۴. فَسَكتُّ ؛ إذ من يبلغ جهله حدّاً بحيث يَعتبر ما جمعه بعض العوامّ كتاباً ويستند إليه ، لا يكون النّقاش مجدياً معه‏ . ۵
إنّ الكثير من المعلومات العديمة الأساس والكاذبة التي تؤدّي إلى وهن أهل البيت عليهم السلام وتُطرح للأسف كمراثٍ ، تمتدّ جذورها إلى المصادر الضعيفة ، ولذلك فإنّ معرفة المصادر هو أوّل الشروط لقرّاء المراثي الحقيقيّين ، والذين يفقدون هذا الشرط لا يمتلكون صلاحية ذكر مصائب أهل البيت عليهم السلام مهما بلغوا من الإخلاص .

1.للاطّلاع على المصادر الصالحة للاعتماد والمصادر غير الصالحة للاعتماد في تاريخ عاشوراء (راجع : ص ۲۲ و ۲۹) وكتباً مثل: معرفي ونقد منابع عاشوراء ، عاشورا پژوهي، كتاب‏شناسي تاريخي إمام حسين عليه السلام ، عاشورا شناسي ؛ عزاداري - عاشورا - تحريفات وعاشورانامه : ج ۴ (كلّها بالفارسيّة) .

2.الآخوند هو الشيخ محمّد كاظم بن حسين الخراساني المولود سنة ۱۲۵۵ ه . ق في مدينة مشهد، والمتوفّى سنة ۱۳۲۹ ه . ق في النجف الأشرف، من كبار علماء الإمامية ، واُصولي معروف ، كان أوحد زمانه في تدريس اُصول الفقه، وأسهم إسهاماً كبيراً في الحركة الدستورية وثورة إيران السياسية .

3.حماسه حسيني (بالفارسيّة) : ج ۱ ص ۵۶ .

4.مفتاح الجنان في الأدعية والأعمال المتعلّقة بالأيام والشهور والزيارات وبعض الأوراد والختومات ، وقد طُبع مراراً عديدة ، ولا يُعرف جامعه ، إلّا أنّه أورد فيه بعض ما لم يُذكر سنده، بل بعض ما ليس له سند قطعاً (الذريعة : ج‏۲۱ ص‏۳۲۴ الرقم ۵۲۹۴).

5.لؤلؤ ومرجان (بالفارسيّة) : ص ۱۶۴.

  • نام منبع :
    الصّحیح من مقتل سیّد الشّهداء و أصحابه علیهم السّلام
عدد المشاهدين : 155537
الصفحه من 850
طباعه  ارسل الي