179
الصّحیح من مقتل سیّد الشّهداء و أصحابه علیهم السّلام

الثالث : عهد الإمام الكاظم والإمام الرضا عليهما السلام و توسيع مراسم العزاء

يعدّ عهد الإمام الكاظم عليه السلام من العهود التي تستحقّ الاهتمام والتأمّل الكبيرين من الناحيتين السياسيّة والثقافيّة ، وفي الحقيقة فإنّ عهد الإمام الكاظم عليه السلام هو عهد وقف فيه الشيعة على أعتاب نهضة شاملة. ولذلك فإنّ تعاليم الإمام الكاظم عليه السلام من شأنها أن تثير الوعي واليقظة .
إنّ الإمام الكاظم عليه السلام كان يجسّد حزنه منذ بداية محرّم ، وكان يواصله حتّى يوم عاشوراء ، وبذلك فقد أسّس سنّة العزاء في العشرة الاُولى من محرّم ۱ ، وعلّم الشيعة في الحقيقة أدب إقامة العزاء في يوم عاشوراء. وقد أظهر الإمام عليه السلام بهذا الاتّجاه أنّ على المؤمنين أن يتهيّؤوا لاستقبال عاشوراء ، وأن يهتمّوا بهذا الحدث المهمّ قبل حلول ذكراه بعدّة أيّام ، ويعيشوه وهم في ذروة الحزن .
وكان الإمام الرضا عليه السلام أيضاً - والذي كانت له منزلة ومكانة سامية من الناحية السياسيّة والثقافيّة ، وأدّت مكانته الظاهريّة الرفيعة إلى نفوذ كلامه أكثر - يولّي هذا الحدث الأهميّة القصوى ، ويبصّر الشيعة بأهمّية محرّم وعشرته الاُولى ، ويسعى من أجل الترويج لحادثة كربلاء من خلال بيان سيرة أبيه عليه السلام . ۲
ما ذكرناه حتّى الآن كان نظرة سريعة إلى سيرة الأئمّة عليهم السلام فيما يتعلّق بثورة الإمام الحسين عليه السلام على مستوى الأقوال والأفعال والترغيب ، ويمكن تقسيم ما ذُكر حتّى الآن تحت عنوانين رئيسيّين :
الأوّل : السعي من أجل إبراز أهمّية العزاء والحداد على الإمام عليه السلام.
الثاني : تكريم يوم عاشوراء وإقامة العزاء فيه.

1.راجع : ج ۲ ص ۸۱۰ ( الفصل الرابع / بكاء الإمام الكاظم عليه السلام ) .

2.راجع : ج ۲ ص ۷۳۳ (الفصل الأوّل / إقامة المأتم في العشرة الاُول من محرّم ) .


الصّحیح من مقتل سیّد الشّهداء و أصحابه علیهم السّلام
178

2 . عهد الإمام الصادق عليه السلام‏

عندما تولّى الإمام الصادق عليه السلام إمامة الشيعة، كان قد مرّ نصف قرن على حادثة كربلاء الأليمة، وخلال ذلك العصر كان المجتمع قد طرأ عليه تحوّل واسع للغاية من النواحي السياسية والثقافية والعقائدية ، وقد استغلّ الإمام الصادق عليه السلام هذا الظرف والجوّ الذي سنح له أقصى استغلال ، وبذل جهوداً كبيرة من أجل بيان وتفسير أبعاد الدين المبين والقرآن الكريم، وتحتلّ حادثة كربلاء مكانة بالغة الأهمّية بين جهود الإمام الصادق عليه السلام ، سواء من حيث القول أو العمل والسلوك ، وتحظى تعاليمه عليه السلام بالاهتمام في تقديم إطار شعائر العزاء واُسسها العامّة ، وصيغة إقامة العزاء.
كان الإمام الصادق عليه السلام يؤكّد على لزوم إبقاء يوم عاشوراء خالداً في الأذهان ، وأن تُعدّ مصيبة هذا اليوم مهمّة للغاية، وأن يسعى المؤمنون من أجل إحياء هذه الذكرى ؛ ۱ ولذلك كان يوصي المؤمنين أن يجلسوا للعزاء في يوم عاشوراء ، وأن يزوروا مرقد سيّد الشهداء إن أمكنهم ذلك ۲ ، ويرتدوا ملابس العزاء ۳ ، وأن يصوّروا في أذهانهم حادثة كربلاء الأليمة والمدهشة ۴ ، وأن يتذكّروا ذلك اليوم ويقيموا العزاء حتّى وإن كانوا لوحدهم ۵ ، وأن يمسكوا عن اللذائذ وتناول الأطعمة اللّذيذة . ۶أوليس كلّ هذا يفوق حدّ التذكير بقصّة مؤلمة وحزينة؟ إنّ عاشوراء تعني في سيرة الأئمّة عليهم السلام الاضطلاع بمسؤوليّة ثقافة بأكملها ، فحادثة عاشوراء تمثّل مدرسة ، لا مجرّد حادثة مثيرة للأحزان والأسف وما إلى ذلك.

1.راجع : ج ۲ ص ۷۶۱ ( الفصل الثالث / عظمة مصيبة عاشوراء ) .

2.تهذيب الأحكام : ج ۶ ص ۵۱ ح ۱۲۰ ، المزار المفيد : ص ۵۱ ح ۱ و۲ ، مصباح المتهجّد : ص ۷۷۱ و ۷۷۲، الإقبال : ج ۳ ص ۶۴ ، بحار الأنوار : ج ۱۰۱ ص ۱۰۵ ح ۱۱ .

3.في مصباح المتهجّد عن عبداللَّه بن سنان عن الإمام الصادق عليه السلام: إنّ أفضل ما تأتي به في هذا اليوم [عاشوراء] أن تعمد إلى ثيابٍ طاهرة فتلبسها وتتسلّب، قلت: وما التسلّب؟ قال: تُحلّل أزرارك وتكشف عن ذراعيك كهيئة أصحاب المصائب (راجع : ج ۲ ص ۷۶۵ ح ۱۹۹۲) .

4.جاء في الحديث السابق عن عبداللَّه بن سنان: « وتحوّل وجهك نحو قبر الحسين عليه السلام ومضجعه، فتمثّل لنفسك مصرعه ومن كان معه من ولده وأهله، وتسلّم وتصلّي عليه، وتلعن قاتليه وتبرأ من أفعالهم » .

5.راجع : حديث عبداللَّه بن سنان بأكمله المنقول في الهوامش السابقة .

6.راجع : ج ۲ ص ۷۶۳ ( الفصل الثالث / الاجتناب عن الملاذّ ) .

  • نام منبع :
    الصّحیح من مقتل سیّد الشّهداء و أصحابه علیهم السّلام
عدد المشاهدين : 155683
الصفحه من 850
طباعه  ارسل الي