183
الصّحیح من مقتل سیّد الشّهداء و أصحابه علیهم السّلام

الصّحیح من مقتل سیّد الشّهداء و أصحابه علیهم السّلام
182

العزاء في مصر

مع استقرار الدولة الفاطميّة كانت طائفة من الشيعة تقيم العزاء كما مرّ في يوم عاشوراء عند قبري السيّدتين اُمّ كلثوم ونفيسة ، وقد واصلوا هذه المسيرة بعد فترة داخل مدينة القاهرة وعند مشهد الحسين عليه السلام ، واكتسب العزاء في ظلّ هذه الدولة الطابع الحكومي ، وكان يقام مقترناً ببعض التشريفات ، ۱ حيث ذُكرت كيفيّتها في المصادر التاريخيّة . ۲ وقد كانت مراسم العزاء تُعطّل في ظلّ هذه الدولة لبعض الأسباب؛ إلّا أنّها استمرّت حتّى سقوط الفاطميّين . ۳
ومع إمساك الأيّوبيين لزمام الحكم والذين بذلوا جهوداً واسعة من أجل محو الثقافة الشيعيّة ، ۴ كان من الطبيعيّ أن يحولوا دون إقامة شعائر العزاء. ومع كلّ ذلك، فقد كان الشيعة في المناطق البعيدة عن مركز الحكومة مثل: الشام وحلب وشمال العراق يستغلّون كلّ فرصة من أجل إقامة شعائرهم ؛ ومن جملتها إقامة مجالس العزاء.

1.قال ابن الطوير: إذا كان اليوم العاشر من المحرّم احتجب الخليفة عن الناس ، فإذا علا النهار ركب قاضي القضاة والشهود قد غيّروا زيّهم فيكونون كما هو اليوم، ثمّ صاروا إلى المشهد الحسيني ، وكان قبل ذلك يُعمل في الجامع الأزهر، فإذا جلسوا فيه ومن معهم من قرّاء الحضرة والمتصدّرين في الجوامع، جاء الوزير فجلس صدراً والقاضي والداعي من جانبيه، والقرّاء يقرؤون نوبة بنوبة ، وينشد قوم من الشعراء غير شعراء الخليفة شعراً يرثون به أهل البيت ، فإن كان الوزير رافضياً تغلّوا، وإن كان سنّياً اقتصدوا ، ولا يزالون كذلك إلى أن تمضي ثلاث ساعات، فيستدعون إلى القصر بنقباء الرسائل، فيركب الوزير وهو بمنديل صغير إلى داره ، ويدخل قاضي القضاة والداعي ومن معهما باب الذهب، فيجدون الدهاليز قد فُرشت مصاطبها بالحصر بدل البسط ، ويُنصب في الأماكن الخالية من المصاطب دكك لتُلحق بالمصاطب لتُفرش ، ويجدون صاحب الباب جالساً هناك، فيجلس القاضي والداعي إلى جانبه والناس على اختلاف طبقاتهم ، فيقرأ القرّاء وينشد المنشدون أيضاً ، ثمّ يفرش عليها سماط الحزن مقدار ألف زبدية من العدس والملوحات والمخلّلات والأجبان والألبان الساذجة والأعسال النحل والفطير والخبز المغيّر لونه بالقصد ، فإذا قرب الظهر وقف صاحب الباب وصاحب المائدة واُدخل الناس للأكل منه ، فيدخل القاضي والداعي، ويجلس صاحب الباب نيابةً عن الوزير والمذكوران إلى جانبه ، وفي الناس من لا يدخل ، ولا يُلزم أحد بذلك ، فإذا فرغ القوم انفصلوا إلى أماكنهم ركباناً بذلك الزي الذي ظهروا فيه ، وطاف النوّاح بالقاهرة ذلك اليوم ، وأغلق البيّاعون حوانيتهم إلى جواز العصر، فيفتح الناس بعد ذلك ويتصرّفون (الخطط المقريزية: ج ۲ ص ۲۹۱) . و زاد ابن تغرى في النجوم الزاهرة : فكان ذلك دأب الخلفاء الفاطميين من أوّلهم المعزّ لدين اللَّه معد، إلى آخرهم العاضد عبد اللَّه (النجوم الزاهرة: ج ۳ ص ۱۵۳ في حوادث سنة ۴۸۸) .

2.في الخطط المقريزية - في مدفن الرأس الشريف - : ثمّ دُفن عند قبّة الديلم بباب دهليز الخدمة ، فكان كلّ من يدخل الخدمة يقبّل الأرض أمام القبر ، وكانوا ينحرون في يوم عاشوراء عند القبر الإبل والبقر والغنم ، ويكثرون النوح والبكاء ، ويسبّون من قتل الحسين . ولم يزالوا على ذلك حتى زالت دولتهم (الخطط المقريزية: ج ۲ ص ۲۸۴ وراجع: ص ۲۹۰ و۲۹۱).

3.مات العاضد في يوم عاشوراء سنة سبع وستّين وخمسمئة (۵۶۷)، وانقضت دولة الفاطميين من مصر بموته (النجوم الزاهرة: ج ۳ ص ۳۵۶) .

4.كان للخلفاء الفاطميين في طول السنة أعياد ومراسم ، وهي : موسم رأس السنة ، وموسم أوّل العام ، ويوم عاشوراء ، ومولد النبي صلى اللَّه عليه وآله... يوم عاشوراء: كانوا يتّخذونه يوم حزن تتعطّل فيه الأسواق ، ويُعمل فيه السماط العظيم المُسمّى سماط الحزن ، وقد ذكر عند ذكر «المشهد الحسيني » فانظره . وكان يصل إلى الناس منه شي‏ء كثير ، فلمّا زالت الدولة اتّخذ الملوك من بني أيّوب يوم عاشوراء يوم سرور ؛ يوسّعون فيه على عيالهم ، ويتبسّطون في المطاعم ، ويصنعون الحلاوات ، ويتّخذون الأواني الجديدة ، ويكتحلون ، ويدخلون الحمّام ، جرياً على عادة أهل الشام التي سنّها لهم الحجّاج في أيّام عبدالملك بن مروان ؛ ليرغموا بذلك اُنوف شيعة عليّ بن أبي طالب كرّم اللَّه وجهه الذين يتّخذون يوم عاشوراء يوم عزاء وحزن فيه على الحسين بن عليّ؛ لأنّه قتل فيه. وقد أدركنا بقايا ممّا عمله بنو أيّوب من اتّخاذ يوم عاشوراء يوم سرور وتبسّط (الخطط المقريزيّة: ج ۲ ص ۳۸۹) .

  • نام منبع :
    الصّحیح من مقتل سیّد الشّهداء و أصحابه علیهم السّلام
عدد المشاهدين : 159986
الصفحه من 850
طباعه  ارسل الي