229
الصّحیح من مقتل سیّد الشّهداء و أصحابه علیهم السّلام

الصّحیح من مقتل سیّد الشّهداء و أصحابه علیهم السّلام
228

3 / 2 . رواية «نور الأبصار»

ذكر الشبلنجي (م 1298 ق) في القرن الثالث عشر في كتاب نور الأبصار ۱ حول هذا المرقد قائلاً:
وقد أخبرني بعض الشوام أنّ للسيدة رقيّة بنت الإمام عليّ كرّم اللَّه وجهه ضريحاً بدمشق الشام ، وأنّ جدران قبرها كانت قد تعيّبت ، فأرادوا إخراجها منه لتجديده فلم يتجاسر أحد أن ينزله من الهيبة ، فحضر شخص من أهل البيت يُدعى السيّد ابن مرتضى ، فنزل في قبرها ، ووضع عليها ثوباً لفّها فيه وأخرجها ، فإذا هي بنت صغيرة دون البلوغ ، وقد ذكرت ذلك لبعض الأفاضل فحدّثني به ناقلاً عن أشياخه‏ . ۲
وقد نصّت هذه الرواية على أنّ رقيّة بنت عليّ عليه السلام صاحبة المرقد ، وهي أوّل رواية أشارت إلى موضوع تعيّب القبر .

3 / 3 . رواية «منتخب التواريخ»

في النصف الأوّل من القرن الرابع عشر ذكر الشيخ محمّد هاشم الخراساني (المتوفّى 1352 ه ) في كتاب منتخب التواريخ (بالفارسية) ۳ قصّة تضرّر القبر بتفصيل أكثر ، فضلاً عن أنّه اعتبر هذا القبر لرقيّة بنت الحسين عليه السلام، وهذا ترجمة روايته :
وقد قال لي العالم الجليل الشيخ محمّد علي الشامي - الذي كان من جملة العلماء والدارسين في النجف الأشرف - : إنّ جدّي المباشر من طرف الاُمّ السيّد إبراهيم الدمشقي الذي ينتهي نسبه إلى السيّد المرتضى علم الهدى - وكان عمره الشريف ينيف على التسعين ، وكان رجلاً شريفاً ومحترماً للغاية - كانت له ثلاث بنات ولم يكن له أولاد ذكور، بأنّ ابنته الكبرى‏ رأت في المنام السيّدة رقيّة بنتالحسين عليه السلام وهي تقول : «قولي لأبيكِ أن يقول للوالي إنّ الماء جرى بين قبري ولحدي ، وإنّ جسمي قد تأذّى ، فقولي له أن يصلح قبري ولحدي» .
فقصّت ابنته الحلم على السيّد ، ولكنّه لم يعمل شيئاً خوفاً من أهل السنّة . وفي الليلة التالية رأت ابنة السيّد الوسطى الحلم نفسه وقصّته لأبيها ، فلم يفعل شيئاً في هذه المرّة أيضاً، وفي الليلة الثالثة رأت ابنة السيّد الصغرى الحلم ذاته وقصّته على الأب ، فلم يحرّك ساكناً في هذه المرّة أيضاً، وفي الليلة الرابعة رأى السيّد نفسه السيّدة رقيّة في منامه وهي تعاتبه قائلة : «لماذا لم تخبر الوالي؟» . فاستيقظ السيّد ، وفي الصباح ذهب إلى والي الشام ونقل منامه إليه .
فأمر الوالي أن يخرج علماء الشام وصلحاؤها من السنّة والشيعة ، ويغتسلوا ويرتدوا أنظف ثيابهم ، وأن ينبش قبر السيّدة رقيّة المقدّس كلّ من انفتح له قفل باب الحرم ، ويستخرج جثمانها الطاهر كي يُعمّر قبرها المطهّر . فأدّى كبار الشيعة والسنّة وصلحاؤهم آداب الغسل وارتدوا الملابس النظيفة ، فلم ينفتح القفل لأيٍّ منهم إلاّ على يد السيّد ، وبعد أن تشرّفوا بالدخول في وسط الحرم لم تؤثّر معاولهم في الأرض إلّا معول السيّد، ثمّ أخلوا الحرم وشقّوا اللّحد ، فرأوا أنّ الجثمان الطاهر لهذه المخدّرة بين لحدها وكفنها صحيح وسالم ، غير أنّ ماءً كثيراً تجمّع في وسط اللّحد ، فاستخرج السيّد جثمان المخدّرة الشريف من وسط اللّحد ووضعه على ركبتيه ، وأبقاه لثلاثة أيّام على ركبتيه وهو يبكي بشكل متواصل ، حتّى أصلحوا لحد المخدّرة من الأساس ، وعندما كان يحين وقت الصلاة كان السيّد يضع جثمان المخدّرة على شي‏ءٍ نظيف ثمّ يرفعه بعد الفراغ من ذلك ويضعه على ركبتيه ، حتّى فرغوا من تعمير القبر واللّحد ، فدفن السيّد جثمان المخدّرة . وبفضل كرامة هذه المخدّرة ومعجزتها كان السيّد خلال الأيّام الثلاثة في غنى عن الطعام والماء وتجديد الوضوء، وعندما أراد أن يدفنها دعا اللَّه أن يرزقه ولداً ، فاستجاب اللَّه له ورزقه على كبره ذكراً سمّاه مصطفى .
ثمّ إنّ الوالي كتب فيما بعد القصّة بالتفصيل إلى السلطان عبدالحميد، فأوكل إليهسدانة مرقد السيّدة زينب ، والمرقد الشريف للسيّدة رقيّة ، والمرقد الشريف لاُمّ كلثوم وسكينة ، ويتولّى الآن السيّد الحاج عبّاس ابن السيّد مصطفى ابن السيّد إبراهيم السابق الذكر إدارة هذه العتبات المقدّسة (انتهى).
ويبدو أنّ هذه القضية حدثت في حدود عام ألف ومئتين وثمانين‏
. ۴
وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار ما جاء في هذه الرواية - من أنّ الوجهاء وعلماء الشيعة والسنّة شهدوا هذه الحادثة - فإنّ الملاحظة الّتي تستحقّ الاهتمام هي : لماذا لم ينقل أحد هذه الحادثة المهمّة سوى المتولّين للمشهد المذكور ، رغم وجود الدواعي الكثيرة إلى نقل هذه الحوادث وتسجيلها ۵ ؟ ونحن نلاحظ أيضاً أنّ شخصيّة مثل السيّد محسن الأمين لم يشِر إلى هذه الحادثة في روايته ، رغم أنّه كان متواجداً في المنطقة، بل إنّه كتب حول هذا المرقد قائلاً :
رقيّة بنت الحسين عليه السلام يُنسب إليها قبر ومشهد مزور بمحلّة العمارة من دمشق، اللَّه أعلم بصحّته، جدّده الميرزا علي أصغر خان وزير الصدارة في إيران عام ۱۳۲۳ ، وقد أرَّختُ ذلك بتاريخ منقوش فوق الباب أقول فيه من أبيات:
لَهُ ذو الرُّتبَةِ العُليا عَليٌ‏وَزيرُ الصَّدرِ في إيرانَ جَدَّدْ
وَقَد أرَّختُها تَزهو سَناءًبِقَبرِ رُقَيَّةٍ مِن آلِ أحمَد۶

وعلى هذا، فإنّ من غير الممكن إبداء رأي حاسم حول موضوع هذه الدراسة استناداً إلى المصادر الروائية والتاريخيّة، ولكنّ الكرامات الّتي شوهدت وتشاهد من هذا المرقد المبارك تؤيّد مكانته المعنوية . وعلى أيّ حال ، فإنّ ممّا لا شكّ فيه أنّ تعظيم هذا المشهد المنسوب إلى أهل البيت عليهم السلام واجب وضروري ، ولكن نظراً إلى أنّ التفاصيل المتعلّقة بوفاة السيّدة رقيّة لم ترد في أيٍّ من المصادر المعتبرة، فإنّ ذكر مصائبهم يجب أن يكون مستنداً إلى المصادر الّتي سبقت الإشارة إليها، وإيكال صحّة المعلومات أو سقمها على عهدة الراوي .

1.فرغ من تأليفه في ۱۲۹۰ ه .

2.نور الأبصار : ص ۱۹۵ .

3.فرغ من تأليفه في ۱۳۴۹ ه .

4.منتخب التواريخ «بالفارسيّة» : ص ۳۸۸ .

5.علماً أنّ اثنين من السلاطين العثمانيين كانوا بهذا الاسم : عبدالحميد الأوّل (۱۱۸۷ - ۱۲۰۳ ه . ق) وعبدالحميد الثاني (۱۲۹۳ - ۱۳۳۷ ه . ق) وزمان حكومتهما لم يكن في حدود عام ۱۲۸۰ الوارد في متن كتاب منتخب التواريخ!

6.أعيان الشيعة : ج ۷ ص ۳۴ .

  • نام منبع :
    الصّحیح من مقتل سیّد الشّهداء و أصحابه علیهم السّلام
عدد المشاهدين : 156440
الصفحه من 850
طباعه  ارسل الي