79
الصّحیح من مقتل سیّد الشّهداء و أصحابه علیهم السّلام

( 1 )

أسباب اتّخاذ الكوفة قاعدةً للثورة

من أجل تقييم سفر الإمام الحسين عليه السلام إلى العراق واختيار الكوفة قاعدة للثورة ، يجب الالتفات إلى أنّ الهدف من ثورته عليه السلام كان بالدرجة الاُولى الإطاحة بحكومة يزيد ، وتأسيس الحكومة الإسلامية في حالة نصرة الناس له ، ثمّ بالدرجة الثانية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وفضح الحكومة الاُموية وزلزلة قواعدها ، والحيلولة دون زوال القيم الإسلامية ، وأخيراً إتمام الحجّة على المسلمين ، حتّى وإن كان ثمن تحقيق هذه الأهداف هو شهادته وشهادة أهل بيته وأصحابه وسبي عياله وذراريه . ۱
وقد كانت الكوفة آنذاك تتميّز بخصوصيات تجعلها أفضل مكان في العالم الإسلامي لتحقيق أهداف الإمام الحسين عليه السلام ، وهي :

أوّلاً : الموقع السياسي والعسكري‏

تأسّست مدينة الكوفة في السنة السابعة عشرة من الهجرة بواسطة الخليفة الثاني وعلى يد سعد بن أبي وقاص ؛ بهدف إقامة معسكر كبير ، ومن أجل قيادة الفتوح الإسلامية وتوسيعها ۲ . ۳
وبسبب الموقع الحسّاس الذي كانت تتمتّع به مدينة الكوفة ، فقدكان يسكنها في صدر الإسلام عدد ملفت للنظر من شيوخ القبائل والقادة العسكريّين الكبار وخيرة المقاتلين ؛ ولذلك فعندما خرج الإمام علي عليه السلام من المدينة متوجّهاً إلى العراق من أجل القضاء على فتنة الناكثين ، لم يكن يصطحب معه سوى سبعمئة مقاتل ۴ من المهاجرين والأنصار ، فيما التحق به من الكوفة اثنا عشر ألفاً . ۵
ومن الملفت للنظر أنّ الإمام بعث كتاباً يخاطب فيه أهل الكوفة عندما كان يريد الانطلاق من المدينة نحو البصرة ، يبدأ بهذه العبارات :
مِن عَبدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أميرِ المُؤمِنينَ إلى‏ أهلِ الكوفَةِ جَبهَةِ الأَنصارِ وسَنامِ العَرَبِ‏ . ۶
وتفيد رواية الطبري أنّ الإمام عندما اُخبر في الطريق بأنّ المتمرّدين ذهبوا إلى البصرة ، فإنّه شعر بالطمأنينة وقال :
إنَّ أهلَ الكوفَةِ أشَدُّ إليّ حُبّاً ، وفيهِم رُؤوسُ العَرَبِ وأعلامُهُم‏ . ۷
كما كتب إليهم :
إنّي قَدِ اختَرتُكُم عَلَى الأَمصارِ وإنّي بِالأَثرَةِ . ۸
وجاء في رواية اُخرى أنّه كتب قائلاً :
فَإِنّى قَدِ اختَرتُكُم وَ النُّزولَ بَينَ أظهُرِكُم لِما أعرِفُ مِن مَوَدَّتِكُم و حُبِّكُم للَّهِ‏ِ عزّ وجلّ ولِرَسولِهِ صلى اللَّه عليه وآله... . ۹وعندما التحق أهلُ الكوفة بالإمام عليّ عليه السلام في ذي قار ، مدحهم الإمام عليه السلام قائلاً :
أنتُم أشَدُّ العَرَبِ وُدّاً لِلنَّبِيِّ ولِأَهلِ بَيتِهِ ، وإنَّما جِئتُكُم ثِقَةً - بَعدَ اللَّهِ - بِكُم‏ . ۱۰
وبعد نهاية معركة الجمل أشاد بهم بهذه العبارات :
جزاكُمُ اللَّهُ مِن أهلِ مِصرٍ عَن أهلِ بَيتِ نَبِيِّكُم أحسَنَ ما يَجزِي العامِلينَ بِطاعَتِهِ وَالشّاكِرينَ لِنِعمَتِهِ ، فَقَد سَمِعتُم وأطَعتُم ، وَدُعيتُم فَأَجَبتُم‏ . ۱۱
كما كان معظم جنده في معركة صفّين من الكوفة ، حيث ذكرت المصادر التاريخية أنّ عدد جيش الإمام عليه السلام بلغ مئةً وعشرين ألفاً . ۱۲
وفي هذه المعركة نفسها عندما لاحظ الإمام عليه السلام ضعف جيشه أمام جيش الشام ، أشار إلى مكانتهم المهمّة في العالم الإسلامي ، خلال حديثٍ لام فيه جيشَه ، فقال :
أنتُم لَهاميمُ العَرَبِ ويَآفيخُ الشَّرَفِ ، وَالأَنفُ المُقَدَّمُ ، وَالسَّنامُ الأَعظَمُ‏ . ۱۳
وخاطبهم في موضع آخر بشي‏ء من الذمّ :
وأنتُم تَريكةُ الإِسلامِ ، وبَقِيَّةُ النّاسِ‏ . ۱۴

1.راجع : ص ۶۱ (الفصل الثاني : أهداف ثورة الإمام الحسين عليه السلام) .

2.تأسّست الكوفة لتنظيم وقيادة الفتوح الإسلامية في المنطقة الغربية مثل : الشام ، فلسطين ، أفريقيا ، وأمّا المناطق الشرقية فقد جعلت البصرة لنفس الهدف .

3.تاريخ الطبري : ج ۴ ص ۴۰ .

4.الجمل : ص ۲۴۰ .

5.تاريخ الطبري : ج ۴ ص ۵۰۰ وراجع : موسوعة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام : ج ۳ ص ۶۳ (القسم السادس / الحرب الاُولى : وقعة الجمل) وص ۱۵۰ (الفصل الخامس / وصول قوّات الكوفة إلى الإمام عليه السلام) .

6.تاريخ الطبري: ج ۴ ص ۵۰۰.

7.تاريخ الطبري : ج ۴ ص ۴۷۷ .

8.في بعض المصادر «وإنّي بالأثر» وهو الأنسب (راجع : شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج ۱۴ ص ۱۶)

9.الإرشاد : ج ۱ ص ۲۵۰ .

10.نهج البلاغة : الكتاب ۲ .

11.راجع : موسوعة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام : ج ۳ ص ۲۶۸ (القسم السادس / الحرب الثانية : وقعة صفّين / عدد المشاركين فيها) .

12.نهج البلاغة : الخطبة ۱۰۷ .

13.نهج البلاغة : الخطبة ۱۸۰ .


الصّحیح من مقتل سیّد الشّهداء و أصحابه علیهم السّلام
78
  • نام منبع :
    الصّحیح من مقتل سیّد الشّهداء و أصحابه علیهم السّلام
عدد المشاهدين : 156027
الصفحه من 850
طباعه  ارسل الي