211
موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) في الكتاب و السُّنَّة و التّاريخ ج4

تحقّق نبوءة الإمام

هكذا مضى عليّ عليه السلام مظلوماً من بين الناس ؛ وبتعبيره : «إن كانَتِ الرَّعايا قَبلي لَتَشكو حَيفَ رُعاتِها ، وإنَّنِي اليَومَ لَأَشكو حَيفَ رَعِيَّتي» ۱ .
لقد أوضح للاُمّة أنّ هضم الرعيّة لحقوق الوالي العادل لا يقلّ في تبعاته الخطرة على المجتمع عن عمل الوالي الظالم ، وهو يقول : «وإذا غَلَبَتِ الرَّعِيَّةُ واِلَيها ، أو أجحَفَ الوالي بِرَعِيَّتِهِ ، اختَلَفَت هُنالِكَ الكَلِمَةُ ، وظَهَرَت مَعالِمُ الجَورِ ، وكَثُرَ الإِدغالُ فِي الدّينِ ، وتُرِكَت مَحاجُّ السُّنَنِ ، فَعُمِلَ بِالهَوى ، وعُطِّلَتِ الأَحكامُ ، وكَثُرَت عِلَلُ النُّفوسِ ، فَلا يُستَوحَشُ لِعَظيمِ حَقٍّ عُطِّلَ ، ولا لِعَظيمِ باطِلٍ فُعِلَ ، فَهُنالِكَ تَذِلُّ الأَبرارُ ، وتَعِزُّ الأَشرارُ ، وتَعظُمُ تَبِعاتُ اللّهِ سُبحانَهُ عِندَ العِبادِ» ۲ .
لم تلبث الأمّة بعد استشهاد الإمام إلّا أربعة وثلاثين عاماً حتّى تحقّقت نبوءته فيها . ففي عهد خلافة عبد الملك بن مروان خرجت على الحكومة المركزيّة من جهة الأهواز جماعة من الخوارج يطلق عليها الأزارقة ، ولم تكن ثَمَّ منطقة يمكن أن يُبعث منها جند لمواجهة هؤلاء غير الكوفة ، لكنّ أهل الكوفة لم يذعنوا لذلك ، ولم يستجيبوا لرغبة الحكم ، ولم يعبؤوا به .
بادر عبد الملك إلى عقد مجلس ضمَّ الخواصّ والمقرّبين لمعالجة المشكلة وتدبّر الحلّ ، فاستنهضهم ضمن خطابٍ حماسي ، قائلاً : «فمن ينتدب لهم منكم بسيفٍ قاطع ، وسنان لامع!» ، فخيّم الصمت على الجميع ، ولم يَنبِس أحدهم ، إلّا الحجّاج بن يوسف ـ الذي كان قد انتهى لتَوّه من مهمّة في مكّة قضى فيها على حركة عبد اللّه بن الزبير ـ فنهض من مكانه وأبدى استعداده للمهمّة . بيدَ أن

1.نهج البلاغة : الحكمة ۲۶۱ . راجع : ج ۵ ص ۴۷۶ (المظلوميّة بعد النبيّ) .

2.نهج البلاغة : الخطبة ۲۱۶ .


موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) في الكتاب و السُّنَّة و التّاريخ ج4
210

مخوّلاً باستخدام منطق القوّة والتوسّل بالسيف لإجبار الناس على طاعته ، فالجمهور سوف ينتخب الطريق الذي يريده هو .
وبعبارة اُخرى : إنّ إحدى أجوبة الإمام على هذا التساؤل : لماذا ترك الناسُ الإمامَ وحيداً؟ هو : إنّني لستُ على استعداد أن اُجبر هؤلاء على الطاعة بمنطق السيف ؛ فهذا الاُسلوب وإن كان يحلّ مشكلة الحكم مؤقّتاً ، إلّا أنّ هذا الحكم لن يغدو بعدئذ حكماً علويّاً!
لقد تكرّر هذا المعنى في كلام الإمام ، ففي خطاب لأهل الكوفة ، قال بعد أن بثّ شكواه منهم : «يا أهلَ الكوفَةِ ! أتَرَوني لا أعلَمُ ما يُصلِحُكُم؟! بَلى ، ولكِنّي أكرَهُ أن اُصلِحَكُم بِفَسادِ نَفسي» ۱ .
وكما قال مرّة اُخرى : «ولَقَد عَلِمتُ أنَّ الَّذي يُصلِحُكُم هُوَ السَّيفُ ، وما كُنتُ مُتَحَرِّياً صَلاحَكُم بِفَسادِ نَفسي ، ولكِن سَيُسَلَّطُ عَلَيكُم بَعدي سُلطانٌ صَعبٌ» ۲ .
يوجّه الإمام في هذا الكلام خطابه إلى اُولئك الذين أساؤوا استخدام أجواء الحرّيّة في ظلال حكمه ، وصاروا يتمرّدون على طاعته ؛ بأنّني أستطيع كبقيّة السياسيّين المحترفين أن أضطرّكم إلى إطاعتي ، وبمقدوري أن أقوِّم أودَكم ببساطة من خلال القوّة وعبر منطق السيف ؛ بيدَ أنّني أربأ بنفسي أن اُقدم على ذلك ؛ لأنّ إصلاح أمركم بالسيف ومنطق القوّة لا يكون إلّا بالتضحية بقيمي الأخلاقيّة ، وهذا الثمن يتنافى مع فلسفة حكمي . لكن اعلموا بأنّ المستقبل يُخبئ لكم في أحشائه آتياً عظيماً! فبسلوككم هذا إنّما توطّئون لأنفسكم نازلة قومٍ لا يحكمونكم إلّا بالسيف ، ولا يتحدّثون إليكم إلّا بمنطق القوّة ، ولا يعرفون بكم الشفقة!
لقد خاطب الإمام أولئك بقوله عليه السلام : «لا يَصلُحُ لَكُم يا أهلَ العِراقِ إلّا مَن أخزاكُم وأخزاهُ اللّهُ!» ۳ .

1.الأمالي للمفيد : ص ۲۰۷ ح ۴۰ عن هشام ، بحار الأنوار : ج ۴۱ ص ۱۱۰ ح ۱۸ .

2.الإرشاد : ج ۱ ص ۲۷۸ ، بحار الأنوار : ج ۳۴ ص ۱۳۵ ح ۹۵۶ .

3.ربيع الأبرار : ج۴ ص۲۵۰ .

  • نام منبع :
    موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) في الكتاب و السُّنَّة و التّاريخ ج4
    المساعدون :
    الطباطبائي، السيد محمد كاظم؛ الطباطبائي نجاد، السيد محمود
    المجلدات :
    7
    الناشر :
    دارالحدیث للطباعة و النشر
    مکان النشر :
    قم المقدسة
    تاریخ النشر :
    1427 ق / 1385 ش
    الطبعة :
    الثانية
عدد المشاهدين : 68353
الصفحه من 684
طباعه  ارسل الي