عنوان کتاب : اسباب اختلاف الحدیث
محل نشر : قم
ناشر : دارالحدیث
نوبت چاپ : چهارم
تاریخ انتشار : 1394
تعداد صفحه : 724
قطع : وزیری
زبان : عربی
جستجو در Lib.ir

اسباب اختلاف الحدیث

برگزیده نهمین دوره کتاب سال حوزه علمیه قم، سال ۱۳۸۶ ش.

در این پژوهش، بیش از هشتاد عامل و سبب اختلاف احادیث با ارایه راه کارهای علاج آنها واکاویده شده است. این اسباب در پنج بخش کلی سامان یافته اند: اسباب اختلاف برآمده از شیوه های نقل حدیث، اسبابی که به اقتضای قانون گذاری وجود یافته اند، اسباب اختلافاتی که از شکل تعبیرهای روایات سرچشمه گرفته اند، اختلافاتی که به سبب تغییر شرایط زمانی و مکانی به وجود آمده اند و سبب هایی که ویژه روایات تفسیری قرآن کریم هستند.

تصدير

...

الكتاب الذي بين يديك أيها القارئ العزيز يمثّل محاولة لمعرفة أسباب اختلاف الحديث ، وقد تضمّن أربعة وثمانين سبباً ، تمّ تبويبها في خمسة أقسام رئيسيّة ، نعرضها على النحو التالي :

القسم الأول : عوارض التحديث .

القسم الثاني : مقتضيات محيط التشريع والتقنين.

القسم الثالث: مقتضيات أساليب البيان والتعبير.

القسم الرابع: دور الظروف ومقتضيات تحوّلها.

القسم الخامس: خصائص حقل التفسير.

ولا شكّ أنّ هذه الخطوة هي اُولى الخطوات الواسعة في هذا السبيل ولا يمكننا دعوى استقصاء جميع أسباب اختلاف الحديث وحصرها في الحالات المذكورة في هذا الكتاب ؛ إذ التّتبع والدّقة في الأحاديث قد يوصلنا إلى أسباب اُخرى للاختلاف .

وختاما لا يَسعنا إلاّ أن نعبّر عن جزيل شكرنا لجهود المحقّق الفاضل البارع سماحة حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ محمّد إحساني فر ، الذي أقبل على دراسة هذا الموضوع بلهفة وولع، وكذلك سماحة حجّة الإسلام الشيخ حيدر المسجدي الذي تكفّل بمهمّة تنقيح نصّ الكتاب ، ونسأل اللّه تعالى دوام التوفيق لهما.

محمّد كاظم رحمان ستايش

معاونية التحقيق في مركز بحوث دارالحديث

ربيع الثاني ۱۴۲۷

المقدّمة

...

تاسعا : مباني علاج الاختلاف

لمّا لم يكن المجال واسعا لتحقيق مناهج علاج اختلاف الحديث، ولا لتحقيق المنهج المختار منها ، فلا بدّ من الإشارة إلى مباني ما نهجناه في العلاج الناظر إلى جهتي الثبوت والإثبات ، ثمّ نتعرّض لكلام موجز في وجوه العلاج الإثباتي .

العلاج الثبوتي والعلاج الإثباتي

لمّا كان العلاج الثبوتي غير مستخدم في علوم الفقه والكلام ـ بل وسائر العلوم الّتي لابدّ من إحراز أحكام مسائلها والإذعان بها في مقام العمل أو البناء العلمي ـ لم يعرف كثير من الفضلاء فضلاً عمّن دونهم حقيقة هذين الطريقين للعلاج والفرق بينهما ومقتضى كلّ واحد منهما . بل يتصوّرون أنّ طريق علاج التعارض والتنافي بين المختلفات منحصر في الطريق المبحوث عنه في مبحث تعارض الأدلّة من اُصول الفقه .

ولأهمّيتهما وشدّة الحاجة إليهما في علم الحديث ـ وخصوصا في مختلف الحديث ـ سنتكلّم هنا عن هذين المصطلحين ونوضح بعض جوانبهما .

تعريف العلاج الإثباتي

العلاج الإثباتي: هو استخدام الطرق الّتي يمكن إثباتها والتصديق بمؤدّاها، والبناء عليه في مقام العلم والعمل ، في التعرّف على واقع ما عليه الحديثان المختلفان .

ومن لوازم هذا العلاج: إمكان البرهنة والاستدلال عليه، والذبّ عنه بوجه مقبول يساعده العرف . ومن البيّن أنّ عدم إمكان الاستدلال على شيء وعدم توفّر الدليل على إثباته لايساوق بطلان وانتفاء ذاك الشيء في نفس الأمر ومقام الثبوت ، فرُبّ حقيقة لانجد طريقا لإثباتها وإقامة البرهان عليها ، ورُبّ شيء نحتمله ولا نجد طريق البرهنة عليه . ألا ترى أنّ المدّعين في المحاكم كثيرا ما يدّعون حقّا ولكن عدم وجدان البرهان والبيّنة المثبِتة لدعواهم كثيرا ما يوجب صدور الحكم لصالح المنكر ، و بالعكس فربما يتعمّد المدّعي بدعوى باطلة أو يلتبس عليه الواقع ويقيم البيّنة عليه فيُحكَم له على المنكر البريء .

تعريف العلاج الثبوتي

وبهذا البيان اتّضح المراد بالعلاج الثبوتي أيضا ، فإنّه عبارة عن لحاظ كلّ وجه يمكن أن يكون عليه الحديثان المختلفان في مقام الثبوت ونفس الأمر سواء أمكن إثباته وإقامة البرهان عليه أم لم يمكن .

وسواء أكان ناظرا إلى صورة الجمع الدلالي بين المختلفين ـ ولو بجمع تبرّعي ـ أو تفسير أحدهما بما يوافق الآخر، أو ناظرا إلى صورة عدم صدور أحدهما أو كليهما، أو صدورهما بالوجه الّذي هما أو أحدهما عليه؛ للتصحيف، أو التحريف، أو النقل بالمعنى، أو غير ذلك .

وعليه فكثيرا ما ينطبق مقام الثبوت ونفس الأمر على مقام الإثبات ، كما قد يختلفان ، وذلك في ما لو تخلّفت الطرق والقرائن الّتي أدّت إلى الوجه الّذي حُكِم به في مقام الإثبات كحكم ظاهري .

قوام العلاج الثبوتي

الجمع الّذي يستخدم في العلاج الدلاليّ الإثباتيّ لابدّ وأن يكون عرفيّا، لا تبرّعيّا ، بخلاف الجمع المستخدم في العلاج الثبوتي ، فإنّه أعمّ من الجمع العرفي والتبرّعي .

توضيح ذلك : أنّ الجمع والتوفيق بين حديثين مختلفين يتصوّر على وجهين : الجمع العرفي، والجمع التبرّعي .

فالأوّل: ما يكون في ظهوره وقوّة احتماله ـ وإمكان إثباته والبرهنة والاستشهاد عليه ـ بحيث يساعد عليه فهم العرف والعقلاء .

والثاني : ـ أعني الجمع التبرّعي ـ ما لايكون كذلك ، وإنّما هو مبنيّ على إبداء احتمال بعيد عن اُفق الظهور؛ لغرض التوفيق بين الكلامين، من دون شاهد ولا قرينة عليه . وهذا الجمع لا يرتضيه العرف، ولا يساعد عليه في مقام الإثبات ، لعدم ضبطه، وعدم إمكان الذبّ عنه والبرهنة عليه .

وللنهي عن إنكار الأحاديث الواردة عن بيت الوحي والعصمة ، يُكتفى في العلاج الثبوتي باحتمال صدور المختلفين عن المعصوم عليه السلام ، فيعالج بينهما بالجمع العرفي مهما أمكن ، وإلاّ فيُلاحَظ كلٌّ من احتمال صدورهما واقعا، وإرادةُ المعنى الملحوظ في هذا الجمع التبرّعي ، واحتمالُ عدم صدور أحدهما أو كليهما بما هما عليه من الألفاظ ، فإن

لم يوجد وجه صحيح يوفِّق بينهما أو العلم بعدم صدورهما معا، يحكم ـ بما هو قضيّة التحقيق في الموارد ـ إمّا بطرح أحدهما المعيّن، أو المردَّد، أو كليهما .

ومن فائدة العلاج الثبوتي ـ الّذي يُستخدم فيه الجمع التبرّعي أو سائر الوجوه المبنيّة على الاحتمالات النفس الأمرية ـ إبداءُ احتمال صحيح يحمل عليه الحديث المختلف لحفظه والحيلولة دون حذفه وضياعه أو إنكاره ، فربّ حامل فقهٍ غير فقيه، وربّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه،[۱]فعسى اللّه ـ تبارك وتعالى ـ أن يأتي بزمان تنحلّ فيه عقدة الاختلاف لنفس هذا الباحث، أو أن يأتي سبحانه باُناس تنحلّ لهم هذه العقدة  « ذَ لِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ »[۲].

ولهذا نلاحظ العلماء يجعلون لكلّ واحد منهما موطنا خاصا ، فبينا تراهم يعالجون بين المختلفَين بتضعيف أحدهما سندا؛ لكي لا يلتزموا بمفاده في مقام الفتيا والعمل ، يحملونهما أو أحدهما على وجوه وتآويل بعيدة جدّا؛ للجمع بينهما ، نظرا إلى ما ذكرناه من مقتضيات مقام الثبوت . وستوافيك نماذج من كلماتهم. وسنُشير إلى نماذج كثيرة عالجوها عن طريق العلاج الثبوتي .[۳]

وعليه فكلّ مجال يكتفي فيه العقل بقيام احتمال يوفِّق بين المختلفين ، لايصحّ إنكار شيء منهما ثبوتا والقطع بعدم صدوره بسبب التنافي بينهما، ما لم يحصل العلم بمطاردتهما واقعا، وتنافيهما في نفس الأمر .

كما لا يحكم بمجعولية حديث يمكن تأويله، أو الجمع بينه وبين ما يخالفه بوجه ممكن في نفس الأمر ، حتّى لو لم نجد طريقا لإثبات وجه العلاج ؛ لاحتمال أن يريد المتكلّم معنىً بعيدا عن اُفق الظهور، مع نصب قرينة، لكنها قد اختفت أو ضاعت ، أو نصْبِ قرينة يعرفها من اُريد إفهامه دون غيره؛ للتقيّة والإبعاد في التورية أو نحو ذلك . والشاهد عليه :

۱۹. ما رواه الصدوق بإسناده عن داوود بن فرقد، قال :سمعت أبا عبد اللّه عليهم السلام يقول : أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا ، إنّ الكلمة لتنصرف على وجوه ، فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء ، ولا يكذب .[۴]

۲۰. وكذا ما رواه ابن إدريس ـ نقلاً عن كتاب مسائل الرجال لعليّ بن محمّد (بإسناده) ـ أنّ محمّد بن عليّ بن عيسى كتب إليه ، يسأله عن العلم المنقول إلينا عن آبائك وأجدادك عليهم السلامقد اختلف علينا فيه ، فكيف العمل به على اختلافه، أو الردّ إليك فيما اختلف فيه؟ فكتب عليه السلام : ما علمتم أنّه قولنا فالزموه ، وما لم تعلموا فردّوه إلينا .[۵]

ونحوهما من الروايات الجمّة[۶]الّتي لا يسع المجال لنقلها .

والملاحظ في هذا الحديث أنّ ما علم كونه من قولهم وجب الالتزام به ، وما لم يعلم أنّه منهم رُدَّ علمه وأمره إليهم .

مناهج العلاج الإثباتي

أشرنا آنفا إلى أنّه لايمكن الاعتماد على العلاج الثبوتي في المجالات العلميّة الّتي هي بحاجة إلى الإذعان بمدلول الحديثين المختلفين أو أحدهما ؛ كالفقه، والكلام، والتفسير بحمل الآية على مؤدّى الحلّ الثبوتي والبناء عليه .[۷]

ولذلك نلاحظ أنّ علاج التنافي والتعارض المبحوث عنه في علم اُصول الفقه ممحَّض في مقام الإثبات ، ودائر مدار طرح أحد المتعارضين إذا لم يمكن التوفيق بينهما بجمع عرفي .

ولا يعالَج المختلفان ـ في العلاج الإثباتي ـ إلاّ بعد الفراغ عن اعتبار المختلفين سندا . مع أنه يكتفى في العلاج الثبوتي صِرف احتمال صدورهما عن المعصوم عليه السلام ثبوتا وفي نفس الأمر .

ثمّ إنّ علاج المختلفين في مقام الإثبات يكون تابعا لمقدار ما يتطلّبه المجال المبحوث عنه من اعتبار الأحاديث ، فالاعتبار الكافي في الفقه[۸]ـ وسائر العلوم المطلوبة لمقام العمل ـ ربما لايكفي في مجال العقائد والكلام والنجوم ونحوها؛ ممّا يكون المطلوب فيه العلم،[۹]كما أنّ التاريخ قد يختلف أيضا عن الفقه والكلام في ميزان الاعتبار الّذي يقتضيه .[۱۰]وقد بحث العلماء ـ المحدِّثون والاُصوليّون وغيرهم ـ مناهج العلاج في أنواع اختلاف الأحاديث ، فبحثه الاُصوليّون في باب تعارض الأدلّة . وأمّا المحدّثون والملِمّون بالحديث فمنهم من أفرده بالتأليف . ومنهم من تعرّض له خلال بحوثه، في المواضع المناسبة له .

...

عاشرا : منهجنا في الكتاب

هذا الّذي بين يديك أيّها القارئ الكريم نتيجة ما كنت أواجهه طيلة دراستي للحديث والفقه والتفسير المأثورَين ، مضافا إلى التتبّع والبحث المباشر في الموضوع بعد ماأزمعت على التحقيق فيه طيلة سنوات؛ بمطالعة كتب، أو تصفّحها، أو بالفحص الكمبيوتري .

وعمدة الأسباب الّتي أفردتها وذكرتها مشفوعة بالشواهد والأمثلة والمباحث التحليلية إنما هي حول أرضية تكوّنها ، وأثرها في إيجاد الاختلاف ، ونوعِ الاختلاف الحاصل بسببها ، ومنهجِ علاجه ، وسائر ما يتعلّق به. مراعيا في ذلك الإيجاز الوافي بالغرض غير المُخلّ به .

وبمّا أنّ البحث عن أسباب اختلاف الحديث من شؤون فقه الحديث والمباحث الحديثية بما هي هي لا بما هو بحث موضوعي فقهي ، كان المنهج الّذي اتبعته في علاج الاختلاف هو ما يعمّ مقامي الإثبات والثبوت ، فلا يُشكل عليّ من ناحية ما ربما اُعالج بين المختلفين بالجمع الدلالي قبل إحراز الوثوق بصدورهما، أو بالجمع التبرّعي ، وقد ذكرت سرّه في الأمر التاسع .

ومرادنا من أسباب اختلاف الحديث هو كلّ ما يُسبّب الاختلاف بين الأحاديث بنحو مباشر ، دون ما يعتبر من دواعي الاختلاف وأرضيّاته ، كتعمّد الكذب ، أو النسيان ، أو الغلوّ، أو العصبية والتعصّب المذهبي، أو قلّة الخبرة بمؤهَّلات التحديث ، أو بساطة قواعد رسم الخطّ ، أو منع تدوين الحديث من قبل الحكومة ، أو غير ذلك من أرضيّات اختلاف الحديث وبواعثه .

وقد زادت الأسباب المفردة بالبحث ـ كسبب مستقلّ ـ على ثمانين سببا، مضافا إلى ما اُشير إليه منها. ولم أجد أحدا ـ ممن سبقني في هذا الموضوع أشار أو بحث عن هذه الكمّية منها ، وإن كانوا مستحقّين للشكر والتبجيل بالسبق والتقدّم . وللّه الشكر الدائم، والحمد السرمد على فضله وحسن توفيقه .

وقد رتّبتها على خمسة أقسام :

القسم الأوّل: في عوارض التحديث .

القسم الثاني : في مقتضيات محيط التقنين والتشريع .

القسم الثالث : مقتضيات أساليب الكلام والتعبير .

القسم الرابع : متطلّبات تغيّر الظروف .

القسم الخامس : خصائص حقل التفسير .

وختاما لن أنسى مساعي مشكورة من إخواني الكرام ، فأتقدّم بالشكر الجزيل والثناء والتبجيل للأخوين الكُبارين والمحقّقَين المفضالين الشيخ عبد الهادي المسعودي، والشيخ محمّد كاظم رحمان ستايش ـ زيدت معاليهما ـ حيث أتحفاني بملاحظات مفيدة وانتقادات بنّاءة ، ولأخي الفاضل الجليل الشيخ حيدر المسجدي ـ دام بقاؤه ـ بتحمّله أعباء تقويم النصّ ، وكذا الأخ الشقيق الشيخ الفاضل علي نقي نگران اللنگرودي ـ زيد عزّه وتوفيقه ـ بما بذل جهده في مقابلة النصوص ، ولكلّ من بذل جهدا في انتاج هذا المجهود المتواضع ، من المسؤولين والموظّفين في دار الحديث ، فجزاهم اللّه عنّي وعن الخدمة لتراث أهل بيت الرسالة عليهم السلام خيرا .

إلهي بك اعتصامي، وعليك توكّلي، فلا تخلِني من رعايتك، وآوِني في أكناف عصمتك ، برأفتك ورحمتك يا أرحم الراحمين .

«رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَ هَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا»[۱۱].


[۱]الكافي : ج۱ ص۴۰۳ ح۱ .

[۲]الجمعة : ۴ .

[۳]راجع السبب التاسع والخمسين التهكّم ، والسبب الستين الإنكار ، وغيرهما من المباحث الآتية .

[۴]معاني الأخبار : ص۱ ح۱ ، وسائل الشيعة : ج۲۷ ص۱۱۷ ح۳۳۳۶۰ .

[۵]السرائر : ج۳ ص۵۸۴ ، وسائل الشيعة : ج۲۷ ص۱۱۷ ح۳۳۳۶۹ .

[۶]ومن لطيف ما ورد في هذا المعنى ما حكاه ابن شهر آشوب عن أبي القاسم الكوفي: أنّ إسحاق الكندي ـ فيلسوف العراق في زمانه ـ كان قد أخذ في تأليف تناقض القرآن، وشغل نفسه بذلك، وتفرّد به في منزله ، وأنّ بعض تلامذته دخل يوما على الإمام الحسن العسكري عليه السلام ، فقال له أبو محمّد عليه السلام : أما فيكم رجل رشيد يردع اُستاذكم الكندي عمّا أخذ فيه من تشاغله بالقرآن ؟ فقال التلميذ : نحن من تلامذته، كيف يجوز منّا الاعتراض عليه في هذا أو في غيره ؟! فقال له أبو محمّد : أتؤدّي إليه ما اُلقيه إليك ؟ قال : نعم . قال : فصِر إليه وتلطّف في مؤانسته ومعونته على ما هو بسبيله ، فإذا وقعت الاُنسة في ذلك فقل: قد حضرتني مسألة أسألك عنها ، فإنّه يستدعي ذلك منك، فقل له : إن أتاك هذا المتكلّم بهذا القرآن هل يجوز أن يكون مراده بما تكلّم منه غير المعاني الّتي قد ظننتها أنّك ذهبت إليها؟ فإنّه سيقول لك : إنّه من الجائز؛ لأنّه رجل يفهم إذا سمع ، فإذا أوجب ذلك فقل له : فما يدريك لعلّه قد أراد غير الّذي ذهبت أنت إليه، فيكون واضعا لغير معانيه . فصار الرجل إلى الكندي، وتلطّف، إلى أن ألقى عليه هذه المسألة ، فقال له : أعد عليّ . فأعاد عليه، فتفكّر في نفسه ورأى ذلك محتملاً في اللغة، وسائغا في النظر، فقال : أقسمت عليك إلاّ أخبرتني من أين لك ؟ فقال : إنّه شيء عرض بقلبي فأوردته عليك . فقال: كلاّ، ما مثلك من اهتدى إلى هذا، ولا من بلغ هذه المنزلة ، فعرِّفني من أين لك هذا ؟ فقال : أمرني به أبو محمّد. فقال : الآن جئت به ، وما كان ليخرج مثل هذا إلاّ من ذلك البيت . ثمّ إنّه دعا بالنار وأحرق جميع ما كان ألّفه . ( مناقب آل أبي طالب: ج۳ ص۵۲۵ ) .

[۷]وأمّا صرف تصوير وجه من المعاني ومحض إبداء احتمال لتصحيح مؤدّاه ثبوتا ـ على فرض صدور الحديث ـ فلا بأس به .

[۸]وذلك للاكتفاء في الفقه ـ الموضوع لتشخيص الحكم الشرعي، والتكليف الفرعي ـ بالوثوق والاطمئنان ـ والمعبَّر عنه بالعلم العرفي ـ أو بالأمارات العقلائيّة الممضاة من قِبل الشارع ـ والمعبَّر عنها بالظنون الخاصّة ـ مع أنّهما لا يستلزمان العلم بالمؤدّى ، فحجّية الحديث الفقهي الموثوق بصدوره ـ كأمر عقلائي أو بتعبّد شرعي ـ كاشف عن اكتفاء الشارع بالخبر الجامع لشرائط الحجّية حتّى لو لم يوجب العلم .

[۹]وذلك لأنّ ضالّة المتعلّم والمحقّق في مثل هذه العلوم الحصول على الحقائق العلميّة المحضة النفس الأمرية ، وليس إلاّ ، فبقاء احتمال الخلاف لايترك مجالاً للعلم ولا يوجب ثلج اليقين .

[۱۰]كما نلاحظ أنّ المتعارف بين المؤرِّخين والملمّين بعلم التاريخ ـ من المسلمين وغيرهم ـ الاكتفاء في الإذعان بالمسائل التاريخيّة بما ربما يذكره أو يكتبه خبراء فنّ التاريخ ، فإنّ المؤرِّخين ـ في محاضراتهم وتأليفاتهم في التاريخ ـ يكتفون بكلام أمثالهم من دون أن يؤاخذوه بمستند متّصل الإسناد إلى من يخبره عن حسّ ، نعم يشترطون في اعتبار قول أهل الخبرة بالتاريخ بعدم توفّر قرائن وشواهد على خلافه وبعدم معارضة نقل المؤرِّخ بنقل مثله أو منافاته بالمسلّمات أو المشهورات التاريخية ، وهذا المعنى مستفاد من ديدنهم وسيرتهم العمليّة بأدنى تأمّل ، لايقال إنّ هذا من باب الجري على السيرة العقلائيّة في الاعتبار بقول أهل الخبرة في وجه خبرتهم ، لما يقال بأنّ الاكتفاء بهذا المقدار غير جارٍ في الفقه ، فلا يقتنعون في الإذعان بالمسائل الفقهيّة بكلام أمثالهم ، فثبت أنّه يُكتفى في فنّ التاريخ بما لايكتفى به في الفقه .

[۱۱]الكهف : ۱۰ .