421
الفصول المهمة في معرفة الائمة ج1

وأتى على ابنه محمّد وهو صريع فوقف عليه وقال : هذا رجل قتله برّه بأبيه ۱ . وصلّى عليّ عليه السلام على جميع القتلى من أهل البصرة والكوفة وغيرهم وأمر فدُفنت
الأطراف ۲ جميعا في قبر عظيم وجمع ما في العسكرين من سلاح وثياب وطرح في المسجد وقال : من عرف شيئا فليأخذه إلاّ سلاحا في الخزائن [كان ]عليه سمة السلطان ۳ .
ولمّا فرغ عليّ عليه السلام من الواقعه أتاه ۴ الأحنف بن قيس ۵ في بني سعد يهنّونه

1.تقدّمت تخريجاته بالاضافة إلى ابن قتيبة في الإمامة والسياسة : ۱ / ۹۸ .

2.ذكر ابن أعثم في الفتوح : ۱/۴۸۷ أنّ عدد الأطراف الّتي قطعت على الخطام يومئذٍ ثماني وتسعون يدا .

3.انظر تاريخ الطبري : ۳ / ۵۴۲ باختلاف يسير ، انظر الخراج لأبي يوسف : ۲۱۵ ، السنن الكبرى : ۸ / ۱۸۰ شرح النهج لابن أبي الحديد : ۱ / ۲۳ وانظر جورج جرداق في كتابه الإمام عليّ صوت العدالة الإنسانية : ۱ / ۸۲ ، ومستدرك الوسائل : ۲ / ۲۵۱ ـ ۲۵۲ لتجد سيرته عليه السلام مع معارضيه .

4.في (أ) : أتى .

5.هو أبو بحر الضحّاك ، وقيل : صخر بن قيس بن معاوية بن حصين أو حصن بن عبّاد بن مُرة بن عبيد ، المعروف بالأحنف التميمي السعدي اُمّه امرأة من باهلة . سمّي بالأحنف لحنف كان في رجله ، فإنّه كان يطأ على ظهرها ، أسلم في عهد النبىّ صلى الله عليه و آله ولم يره ، وكان سيّد قومه موصوفا بالعقل والدهاء والعلم والحلم . شهد بعض الفتوح في زمن عمر وعثمان . واعتزل الجمل وشهد صفّين مع عليّ عليه السلام ولمّا بايع معاوية ليزيد تكلم الناس في مدحه ، فقال له معاوية : ما بالك لا تقول يا أبا بحر ؟ فقال : أخاف اللّه إن كذبت ، وأخافكم إن صدقت . وخرج مع مصعب بن الزبير إلى الكوفة ومات بها سنة (۶۷ ه) على الأشهر عن ثمانين سنة ودُفن عند قبر زياد بالثوبة ـ موضع بظاهر الكوفة ـ وقيل : ولد الأحنف ملتصق الأليتين ، حتّى شُقّ ما بينهما ، وكان الأحنف أعور . انظر ترجمته في الاستيعاب : ۱ / ۵۶ الترجمة رقم ۱۶۰ ، اُسد الغابة : ۱ / ۵۵ ، وفيات الأعيان : ۱ / ۱۸۶ ـ ۱۹۲ الترجمة رقم ۲۸۲ ، المعارف لابن قتيبة تحقيق ثروة عكاشة : ۴۲۳ . ومن الجدير ذكره أنّ الإمام عليّ عليه السلام بعث إلى الأحنف بن قيس عندما وصل جند المرأة إلى حفر أبي موسى الأشعري ـ وهو مياه عذبة على جادة البصرة إلى مكة حفره أبو موسى الأشعري . بينه وبين البصرة خمس ليال كما ذكر صاحب معجم البلدان ـ فقال له : إنّ هؤلاء القوم قدموا علينا ومعهم زوجة رسول اللّه ، والناس إليها سراع كما ترى . فقال الأحنف : إنّهم جاؤوك للطلب بدم عثمان ، وهم الّذين ألّبوا على عثمان الناس وسفكوا دمه ، أراهم واللّه لا يزايلونا حتّى يلقوا العداوة بيننا ، ويسفكوا دماءنا ، وأظنّهم واللّه سيركبون منك خاصّة مالا قبل لك به إن لم تتأهّب لهم بالنهوض إليهم في مَن معك من أهل البصرة ، فإنّك اليوم الوالي عليهم ، وأنت فيهم مطاع ، فسر إليهم بالناس وبادرهم قبل أن يكونوا معك في دار واحدة ، فيكون الناس لهم أطوع منهم لك . وقال ابن أعثم في الفتوح : ۱ / ۴۶۰ : إنّهم ـ طلحة والزبير وعائشة ـ بعثوا إلى الأحنف بن قيس فدعوه وقالوا : إننا نريد منك أن تنصرنا على دم عثمان بن عفان ، فإنّه قُتل مظلوما ، قال : فالتفت الأحنف إلى عائشة وقال : يا اُمّ المؤمنين ! اُنشدك اللّه أما قلتِ لي ذلك اليوم إن قتل عثمان فمن اُبايع ؟ قلت : عليّ بن أبي طالب ؟ فقالت عائشة : قد كان ذلك يا أحنف ، ولكن هاهنا اُمور نحن بها أعلم منك ، فقال الأحنف : لا واللّه لا اُقاتل عليّ بن أبي طالب أبدا ، وهو أخو رسول اللّه صلى الله عليه و آله وابن عمّه وزوج أبنته وأبو سبطيه وقد بايعه المهاجرون والأنصار . قال : ثمّ وثب الأحنف حتّى صار إلى ديار قومه من بنى تميم ، ثمّ نادى فيهم فاجتمع إليه أربعة الآف رجل ، فسار بهم حتّى نزل بهم على فرسخين من البصرة . وروى البيهقي في المحاسن والمساوى : ۱ / ۳۵ عن الحسن البصري أنّ الأحنف بن قيس قال لعائشة يوم الجمل : يا اُمّ المؤمنين هل عهد إليك رسول اللّه هذا المسير ؟ قالت : اللّهمّ لا ، قال : فهل وجدته في شيء من كتاب اللّه جلّ ذكره ؟ قالت : ما نقرأ إلاّ ما تقرأون قال : فهل رأيت رسول اللّه صلى الله عليه و آله استعان بشيء من نسائه إذا كان في قلّة والمشركون في كثرة ؟ قالت : اللّهمّ لا ، قال الأحنف : فاذا ما هو ذنبنا ؟ وفي رواية اُخرى انّه قال لها : يا اُمّ المؤمنين انّي سائلك ومغلظ لك في المسألة فلا تجدي عليَّ ، فقالت له : قل تسمع . قال : أعندك عهد من رسول اللّه صلى الله عليه و آله في خروجك هذا ؟ فقالت : لا . . . أعندك عهد منه صلى الله عليه و آله انّك معصومة من الخطأ ؟ قالت : لا . . . إلى أن أحرجها فقالت : إلى اللّه أشكو عقوق أبنائي . (انظر الغدير : ۸ / ۹۹ وشرح النهج لابن أبي الحديد : ۲ / ۵۰۰ قريب منه) . وهنالك موقف آخر للأحنف بن قيس يذكره ابن أعثم في الفتوح : ۱/۴۶۵ ، قال : وأقبل الأحنف بن قيس في جماعة من قومه إلى عليّ عليه السلام فقال : يا أمير المؤمنين ! إنّ أهل البصرة يقولون بأنك إن ظفرت بهم غدا قتلت رجالهم وسبيت ذرّيتهم ونساءهم ، فقال له عليّ : ليس مثلي من يخاف هذا منه ، لأنّ هذا ما لا يحلّ إلاّ ممّن تولّى وكفر، وأهل البصرة قوم مسلمون، وسترى كيف يكون أمري وأمرهم، ولكن هل أنت معي فاعلم، فقال الأحنف : يا أمير المؤمنين ! اختر مني واحدة من اثنين ، إمّا أن أكون معك مع مائتى رجل من قومي ، وإمّا أن أردّ معك أربعة الآف سيف ، فقال عليّ عليه السلام لابل ردّهم عنّي ، فقال الأحنف : أفعل ذلك يا أمير المؤمنين ، ثمّ انصرف . (وانظر تاريخ الطبري : ۳ / ۵۱۰ ـ ۵۱۳ مع اختلاف يسير في اللفظ) . وموقف الأحنف هذا يذكّرنا بموقف ومواقف اُخرى لكن نذكر منها موقف لاهيان بن صيفي : روي أنّ الإمام عليّ عليه السلام ذهب إلى لاهيان بن صيفى ، وكان له صحبة . فقام الإمام على باب حجرته وقال له : كيف أنت يا أبا مسلم ؟ قال : بخير ، فقال الإمام : ألا تخرج معي إلى هؤلاء القوم فتعينني ؟ قال : إن خليلي عليه الصلاة والسلام وابن عمّك . عهد إليَّ إذا كانت فتنة بين المسلمين أن اتخذ سيفا من خشب ، فهذا سيفي فإن شئت خرجت به معك ، فقال الإمام : لا حاجة لنا فيك ولا في سيفك . ورجع من باب الحجرة ولم يدخل . (رواه أحمد والترمذي وحسّنه ابن ماجة ونعيم بن حمّاد ، وأورده ابن حجر في الإصابة ، وابن كثير في البداية ، والفتح الربّاني : ۲۳ / ۱۳۸ ، وجامع الترمذي : ۴ / ۴۹۰) . لم يكن الإمام عليّ عليه السلام بحاجة إلى هؤلاء ولكنه عليه السلام قام بهذا العمل من باب ان المقام مقام حجة والاختيار مفتوح دون أن يوجّه أيّ اتهام لأحد . ولكن السؤال الّذي يطرح نفسه هو : ما السبب الّذي دعا هؤلاء إلى الاعتزال ؟ هل هي فتوى أبو بكرة (نُفَيع بن الحارث) كما تطرّقنا إليها سابقا وأشرنا إلى مصادرها ؟ أم هنالك شيء آخر ؟ أم انّه عهد معهود مِن قِبل اللّه تعالى ورسوله صلى الله عليه و آله بأنّ الإمام عليه السلام يقاتل الناكثين والمارقين والقاسطين ؟ أم انّها الفتنة الّتي تكلّم عنها رسول اللّه صلى الله عليه و آله والإمام عليّ عليه السلام ؟ حيث ينقل ابن أبي الحديد في شرح النهج : ۱ / ۶۶۷ ، و : ۳ / ۲۷۷ ، وكنز العمّال : ۱۶ / ۱۸۳ ، و : ۱۱ / ۶۰۶ ، والبيان والتبيين للجاحظ : ۲ / ۱۱۲ ، وتاريخ اليعقوبي : ۲ / ۱۵۲ ، وصحيح مسلم : ۱۸ / ۱۱ ، وصحيح البخاري : ۴ / ۱۲۲ ، وفتح الباري : ۱۳ / ۵۶ ، والجامع : ۴ / ۵۲۸ ، والمستدرك : ۳ / ۱۱۹ ، والكامل في التاريخ : ۳ / ۱۲۲ و۲۳۱ ، والطبري في تاريخه : ۵ / ۱۹۸ ، وغيرهم كثير من الأحاديث في هذا المقام ، ولكننا نكتفي بذكر حديث واحد . روي عن عليّ عليه السلام أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال له : إنّ اللّه قد كتب عليك جهاد المفتونين كما كتب عليَّ جهاد المشركين ، فقال عليّ : يا رسول اللّه ، ما هذه الفتنة الّتي كتب عليَّ فيها الجهاد ؟ قال : قوم يشهدون أن لا إله إلاّ اللّه وأني رسول اللّه ، وهم مخالفون للسنّة ، فقلت : يا رسول اللّه فعلام اُقاتلهم وهم يشهدون كما أشهد ؟ قال : على الإحداث في الدين ومخالفة الأمر ، فقلت : يا رسول اللّه ، إنك كنت وعدتني الشهادة فاسأل اللّه أن يجعلها لي بين يديك ، قال : فمن يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين . . .(رواه وكيع في كنز العمّال : ۱۶ / ۱۸۳ ، وابن أبي الحديد في شرح النهج : ۳ / ۳۷۷ ، المناقب للخوارزمي : ۱۲۵ ، تاريخ ابن عساكر : ۳ / ۲۰۰ ط بيروت ، سير أعلام النبلاء للذهبي : ۳ / ۲۳۱ . ومن هذا وذاك جاءت فكرة الاعتزال الّتي بشّر بها أبو بكرة عندما قال : يا أحنف ارجع فإني سمعت رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقول : إذا تواجه المسلمون بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار . . . ولذا نرى الاُستاذ سعيد حوى يعقّب على هذا الحديث في كتابه الأساس في السنّة : ۴ / ۱۷۱۱ فيقول : إنّ القتال مع عليّ بن أبي طالب كان حقا وصوابا ، ولكن أبو بكرة حمل حديثا ورد في غير الحالة الّتي قاتل فيها عليّ ، على حالة قتال عليّ للباغين . وهو فهم من أبي بكرة . ولكنه فهم في غير محلّة . . . كذلك ألتبس العنوان على الحارث بن حوط الليثي عندما دخل على أمير المؤمنين . فقال : يا أمير المؤمنين ما أرى طلحة والزبير وعائشة . أضحوا إلاّ على الحق . ولكن الإمام عليه السلام أجاب بقوله : يا حارث إنك نظرت تحتك ولم تنظر فوقك ، إنّ الحقّ والباطل لا يُعرفان بالناس ، ولكن اعرف الحقّ باتباع من اتبعه ، والباطل باجتناب من اجتنبه . (انظر تاريخ اليعقوبي : ۲ / ۱۵۲ ، والبيان والتبيين : ۲ / ۱۱۲) . وعلّق الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال على هذا القول فقال : العاقل من يقتدي بسيد العقلاء علي كرّم اللّه وجهه حيث قال : لا يُعرف الحقّ بالرجال ، اعرف الحق تعرف أهله .


الفصول المهمة في معرفة الائمة ج1
420

على قبر طلحة بن عبيداللّه فقال : لهفي عليك يا أبا محمّد ، إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، واللّه لقد كنت أكره أن أرى قريشا صرعى ، أنت واللّه يا أبا محمّد كما قال الشاعر :

فتىً كان يدنيه الغنى من صديقه إذا ما هو استغنى۱وأسعده الفقر۲

1.في (ج) : يبعده .

2.انظر المصادر السابقة أيضا بالإضافة إلى مروج الذهب للمسعودي : ۲ / ۳۷۳ وفيه : ومرَّ على طلحة بن عبيد اللّه فقال : هذا الناكِثُ بيعتي ، والمُنْشيء الفِتنةَ في الاُمّةِ ، والمُجلِبُ عَلَيَّ ، الداعي إلى قَتْلي وقَتل عِتْرتي . أجلِسوا طلحة» فاُجلِس ، فقال أميرُ المؤمنين عليه السلام : يا طلحة بن عُبيد اللّه ، قد وجدْتُ ما وَعَدني ربّي حقا ، فهلْ وجدْتَ ما وَعَد ربُّكَ حقّا ؟ ثمّ قال : أضجِعوا طلحة» وسارَ . فقال له بعضُ مَن كان معهُ : يا أمير المؤمنينَ ، أتُكلِّمُ كَعْبا وطلحةَ بَعد قَتلِهما ؟ قال : أَمَ واللّه ِ ، إنّهما لقد سَمِعا كلامي كما سَمِعَ أهلُ القَلِيبِ ـ يعني مشركو قريش الّذين قُتلوا يوم بدر ـ كلام رسول اللّه صلى الله عليه و آله يومَ بدر . وورد في المروج للمسعودي : فمرّ به عليّ عليه السلام بعد الوقعة في موضعه في قنطرة قرّة ، فوقف عليه ، فقال : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، واللّه لقد كنت كارها لهذا أنتَ واللّه كما قال القائل : فتىً كان يُدنيه الغنى من صديقه إذا ما هو استغنى ويُبعده الفقر كأنّ الثُريّا عُلّقت في يمينه وفي خدّه الشعرى وفي الآخر البدر وهو عليه السلام يمسح عن جبينه الغُبار ويقول : «وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا» الأحزاب : ۳۸ .

  • نام منبع :
    الفصول المهمة في معرفة الائمة ج1
    المساعدون :
    الغریری، سامی
    المجلدات :
    2
    الناشر :
    دارالحدیث للطباعة و النشر
    مکان النشر :
    قم المقدسة
    تاریخ النشر :
    1379 ش
    الطبعة :
    الاولي
عدد المشاهدين : 93906
الصفحه من 674
طباعه  ارسل الي