المَلَكوت‏ - الصفحه 8

قال تعالى‏ : (قُلِ اللّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ)۱ ، وقال تعالى‏ : (للَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرضِ)۲وقال تعالى‏ : (تَبارَكَ الّذي بِيَدِهِ المُلْكُ وهُوَ عَلى‏ كُلِّ شَي‏ءٍ قَديرٌ * الّذي خَلَقَ المَوتَ والحَياةَ - إلى‏ أن قال - الّذي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً)۳ والآيات - كما ترى‏ - تُعلّل الملك بالخلق ، فكون وجود الأشياء منه وانتساب الأشياء بوجودها وواقعيّتها إليه تعالى‏ هو المِلاك في تحقّق ملكه ، وهو بمعنى‏ ملكه الذي لا يشاركه فيه غيره ولا يزول عنه إلى‏ غيره ، ولا يقبل نقلاً ولا تفويضاً يغني عنه تعالى‏ وينصب غيره مقامه .
وهذا هو الذي يفسّر به معنى الملكوت في قوله : (إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيئاً أنْ يَقولَ لَهُ كُنْ فيَكونُ * فسُبْحانَ الّذي بِيَدِهِ مَلَكوتُ كُلِّ شَي‏ءٍ)۴ فالآية الثانية تبيّن أنّ ملكوت كلّ شي‏ءٍ هو كلمة (كُن) الّذي يقوله الحقّ سبحانه له ، وقولُه فعلُه ، وهو إيجاده له .
فقد تبيّن أنّ الملكوت هو وجود الأشياء من جهة انتسابها إلَى اللَّه سبحانه وقيامها به ، وهذا أمر لا يقبل الشِّركة ويختصّ به سبحانه وحده ، فالربوبيّة التي هي الملك والتدبير لا تقبل تفويضاً ولا تمليكاً انتقاليّاً .
ولذلك كان النظر في ملكوت الأشياء يهدي الإنسان إلَى التوحيد هداية قطعيّة ، كما قال تعالى‏ : (أوَلَم يَنْظُروا في مَلَكوتِ السَّماواتِ والأرضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَي‏ءٍ وأنْ عَسى‏ أنْ يَكونَ قدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ فبَأيِّ حَديثٍ بَعْدَهُ يُؤمِنونَ)۵ والآية - كما ترى‏ - تحاذي أوّل سورة الملك المنقول آنفاً .
فقد بان أنّ المراد بإراءة إبراهيم ملكوت السماوات والأرض - على‏ ما يعطيه التدبّر في سائر الآيات المربوطة بها - هو توجيهه تعالى‏ نفسه الشريفة إلى‏ مشاهدة الأشياء من جهة استناد وجودها إليه ، وإذ كان استناداً

1.آل عمران : ۲۶ .

2.المائدة : ۱۲۰ .

3.الملك : ۱ - ۳ .

4.يس : ۸۲ ، ۸۳ .

5.الأعراف : ۱۸۵ .

الصفحه من 10