قال تعالى : (قُلِ اللّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ)۱ ، وقال تعالى : (للَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرضِ)۲وقال تعالى : (تَبارَكَ الّذي بِيَدِهِ المُلْكُ وهُوَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ * الّذي خَلَقَ المَوتَ والحَياةَ - إلى أن قال - الّذي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً)۳ والآيات - كما ترى - تُعلّل الملك بالخلق ، فكون وجود الأشياء منه وانتساب الأشياء بوجودها وواقعيّتها إليه تعالى هو المِلاك في تحقّق ملكه ، وهو بمعنى ملكه الذي لا يشاركه فيه غيره ولا يزول عنه إلى غيره ، ولا يقبل نقلاً ولا تفويضاً يغني عنه تعالى وينصب غيره مقامه .
وهذا هو الذي يفسّر به معنى الملكوت في قوله : (إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيئاً أنْ يَقولَ لَهُ كُنْ فيَكونُ * فسُبْحانَ الّذي بِيَدِهِ مَلَكوتُ كُلِّ شَيءٍ)۴ فالآية الثانية تبيّن أنّ ملكوت كلّ شيءٍ هو كلمة (كُن) الّذي يقوله الحقّ سبحانه له ، وقولُه فعلُه ، وهو إيجاده له .
فقد تبيّن أنّ الملكوت هو وجود الأشياء من جهة انتسابها إلَى اللَّه سبحانه وقيامها به ، وهذا أمر لا يقبل الشِّركة ويختصّ به سبحانه وحده ، فالربوبيّة التي هي الملك والتدبير لا تقبل تفويضاً ولا تمليكاً انتقاليّاً .
ولذلك كان النظر في ملكوت الأشياء يهدي الإنسان إلَى التوحيد هداية قطعيّة ، كما قال تعالى : (أوَلَم يَنْظُروا في مَلَكوتِ السَّماواتِ والأرضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيءٍ وأنْ عَسى أنْ يَكونَ قدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ فبَأيِّ حَديثٍ بَعْدَهُ يُؤمِنونَ)۵ والآية - كما ترى - تحاذي أوّل سورة الملك المنقول آنفاً .
فقد بان أنّ المراد بإراءة إبراهيم ملكوت السماوات والأرض - على ما يعطيه التدبّر في سائر الآيات المربوطة بها - هو توجيهه تعالى نفسه الشريفة إلى مشاهدة الأشياء من جهة استناد وجودها إليه ، وإذ كان استناداً